من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة خمسين وأربعمائة
فيها توفي الونّي، صاحب الفرائض، استشهد في فتنة البساسيري، وهو أبو عبد الله [الحسين بن محمد بن عبد الواحد البغدادي.
وأبو الطيب الطبري] طاهر بن عبد الله بن طاهر القاضي الشافعي، أحد الأعلام. روى عن أبي أحمد الغطريقي وجماعة، وتفقّه بنيسابور على أبي الحسن الماسرجسي، وسكن بغداد، وعمّر مائة وسنتين.
قال الخطيب: كان عارفا بالأصول والفروع، محقّقا، صحيح المذهب.
قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في «الطبقات»:
ومنهم: شيخنا وأستاذنا أبو الطيب الطبري، توفي عن مائة وسنتين، ولم يختلّ عقله، ولا تغيّر فهمه، يفتي مع الفقهاء، ويستدرك عليهم الخطأ، ويقضي ويشهد، ويحضر المواكب، إلى أن مات. تفقه بآمل على الزجاجي، صاحب ابن القاص، وقرأ على أبي سعد الإسماعيلي، وأبي القاسم بن كجّ
بجرجان، ثم ارتحال إلى نيسابور، وأدرك أبا الحسن الماسرجسي، وصحبه أربع سنين، ثم ارتحل إلى بغداد، وعلّق على أبي محمد البافي [الخوارزمي] صاحب الداركي، وحضر مجلس أبي حامد [الإسفراييني]. ولم أر ممّن رأيت أكمل اجتهادا، وأشد تحقيقا، وأجود نظرا منه. شرح «مختصر المزني» وصنّف في الخلاف، والمهذب، والأصول، والجدل، كتبا كثيرة، ليس لأحد مثلها، ولازمت مجلسه بضع عشرة سنة، ودرّست أصحابه في مجلسه بإذنه، ورتبني في حلقته، وسألني أن أجلس في مجلسه للتدريس، ففعلت في سنة ثلاثين وأربعمائة، أحسن الله عني جزاءه ورضي عنه.
وقال الخطيب البغدادي: كان أبو الطيب ورعا، عارفا بالأصول والفروع، محقّقا، حسن الخلق، صحيح المذهب، اختلفت إليه، وعلّقت عنه الفقه سنين.
وقال: سمعت أبا بكر محمد بن محمد المؤدّب، سمعت أبا محمد البافي يقول: أبو الطيب أفقه من أبي حامد الإسفراييني، وسمعت أبا حامد [الإسفراييني] يقول: أبو الطيب أفقه من أبي محمد البافي.
وعن القاضي أبي الطيب أنّه رأى النّبيّ ﷺ في المنام، وقال له:
«يا فقيه» وأنّه كان يفرح بذلك ويقول: سمّاني رسول الله ﷺ فقيها.
وقال القاضي أبو بكر الشامي: قلت للقاضي أبي الطيب- وقد عمّر-: لقد متّعت بجوارحك أيّها الشيخ، فقال: ولم لا؟ وما عصيت الله بواحدة منها قطّ، أو كمال قال.
وقال ابن الأهدل: بلغ أبو الطيب مبلغا في العلم، والدّيانة، وسلامة الصدر، وحسن السمت والخلق، وعليه تفقّه الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وولي القضاء ببغداد بربع الكرخ دهرا طويلا، وعاش مائة وسنتين، ويقال:
وعشرين، ولم يضعف جسده ولا عقله، حتّى حكي أنّه اجتاز بنهر يحتاج إلى وثبة عظيمة، فوثب وقال، أعظما حفظها الله في صغرها، فقوّاها في كبرها، وكان يحضر المواكب في دار الخلافة، ويقول الشعر، ومن شعره من ألغز به على أبي العلاء المعرّي:
وما ذالت درّ لا يحلّ لحالبتناولها واللّحم منها محلل
في أبيات في هذا المعنى، فأجابه المعرّي ارتجالا:
جوابان عن هذا السؤال كلاهماصواب وبعض القائلين مضلّل
فمن ظنّه كرما فليس بكاذبومن ظنّه نخلا فليس يجهّل
يكلّفني القاضي الجليل مسائلاهي البحر قدرا بل أعزّ وأطول
فأجابه القاضي يثني عليه وعلى علمه وبديهته، فأجابه المعرّيّ أيضا:
فؤادك معمور من العلم آهلوجدّك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين النّاس غير مموّلفأنت من الفهم المصون مموّل
كأنّك من في الشّافعيّ مخاطبومن قلبه تملي فما تتمهّل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارساوأنت بإيضاح الهدى متكفّل
تجمّلت الدّنيا بأنّك فوقهاومثلك حقّا من به يتجمّل
وفيها أبو الفتح بن شيطا، مقرئ العراق، ومصنّف «التذكار في القراءات العشر» عبد الواحد بن الحسين بن أحمد. أخذ عن الحمامي وطائفة، وحدّث عن محمد بن إسماعيل الورّاق وجماعة، وتوفي في صفر، وله ثمانون سنة.
وفيها أبو الحسن علي بن بقا المصري الورّاق الناسخ، محدّث ديار مصر. روى عن القاضي أبي الحسن الحلبي وطائفة، وكتب الكثير.
وفيها الماوردي أقضى القضاة، أبو الحسن، علي بن محمد بن حبيب البصري الشافعي، مصنّف «الحاوي» و «الإقناع» و «أدب الدّنيا والدّين» وكان إماما في الفقه، والأصول، والتفسير، بصيرا بالعربية، ولي قضاء بلاد كثيرة، ثم سكن بغداد، وعاش ستا وثمانين سنة. تفقه على أبي القاسم الصّيمري بالبصرة، وعلى أبي حامد ببغداد، وحدّث عن الحسن الجيلي صاحب أبي خليفة الجمحي وجماعة، وآخر من روى عنه أبو العزّ بن كادش.
قال ابن قاضي شهبة: هو أحد أئمة أصحاب الوجوه.
قال الخطيب: كان ثقة، من وجوه الفقهاء الشافعيين، وله تصانيف عدّة في أصول الفقه وفروعه، وفي غير ذلك. وكان ثقة، ولي قضاء بلدان شتى، ثم سكن بغداد.
وقال ابن خيرون: كان رجلا عظيم القدر، متقدما عند السلطان، أحد الأئمة، له التصانيف الحسان في كل فن من العلم، وذكره ابن الصلاح في «طبقاته» وأتّهم بالاعتزال في بعض المسائل بحسب ما فهم عنه في «تفسيره» في موافقة المعتزلة فيها، ولا يوافقهم في جميع أصولهم، ومما خالفهم فيه، أن الجنة مخلوقة. نعم يوافقهم في القول في القدر، وهي بلية غلبت على البصريين. توفي في ربيع الأول، سنة خمسين، بعد موت أبي الطيب بأحد عشر يوما عن ست وثمانين سنة.
وذكر ابن خلّكان في «الوفيات» أنه لم يكن أبرز شيئا من مصنفاته في حياته، وإنما أوصى رجلا من أصحابه إذا حضره الموت أن يضع يده في يده، فإن رآه قبض على يده فلا يخرج من مصنفاته شيئا وإن رآه بسط يده أي علامة قبولها، فليخرجها.
ومن تصانيفه «الحاوي».
قال الإسنوي: ولم يصنّف مثله، وكتاب «الأحكام السلطانية» وهو تصنيف عجيب مجلد، و «الإقناع» مختصر، يشتمل على غرائب، و «التفسير» ثلاث مجلدات، و «أدب الدّين والدّنيا» وغير ذلك. انتهى ما ذكره ابن شهبة ملخصا.
وقال ابن الأهدل: لما خرج المارودي من بغداد إلى البصرة أنشد أبيات ابن الأحنف:
أقمنا كارهين لها فلماألفناها خرجنا مكرهينا
وما حب البلاد بنا ولكنأمرّ العيش فرقة من هوينا
خرجت أقرّ ما كانت لعينيوخلّفت الفؤاد بها رهينا
وهو منسوب إلى بيع الماورد. انتهى.
وفيها أبو القاسم الخفّاف، عمر بن الحسين البغدادي، صاحب المشيخة. روى عن ابن المظفر وطبقته.
وفيها أبو منصور السّمعاني، محمد بن عبد الجبّار القاضي المروزي الحنفي، والد العلّامة أبي المظفر السّمعاني، مات بمرو في شوال، وكان إماما، ورعا، نحويا، لغويا، علّامة، له مصنفات.
وفيها منصور بن الحسين التّانئ- بالنون، نسبة إلى التنائية وهي الدهقنة، ويقال لصاحب الضياع والعقار- أبو الفتح الأصبهاني المحدّث، صاحب ابن المقرئ. كان من أروى الناس عنه، توفي في ذي الحجّة، وكان ثقة.
وفيها الملك الرحيم، أبو نصر بن الملك أبي كاليجار بن الملك سلطان الدولة بن بهاء الدولة بن عضد الدولة بن ركن الدولة الحسن بن بويه الدّيلمي، آخر ملوك الدّيلم، مات محبوسا بقلعة الرّيّ في اعتقال طغرلبك.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع