تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسع وسبعين وخمسمائة

فيها توفي تاج الملوك مجد الدّين بوري، أخو السلطان صلاح الدّين، وله ثلاث وعشرون سنة. كان أديبا شاعرا، له ديوان صغير، وجمع الله فيه محاسن الأخلاق ومكارمها، مع الشجاعة والفصاحة.

ومن شعره:

أقبل من أعشقه راكبامن جهة الغرب على أشهب
للشاعر ابن مليك الحموي، من قصيدة «أقبل من أعشقه راكبا»
فقلت: سبحانك يا ذا العلىأشرقت الشمس من المغرب

ومنه أيضا:

أيا حامل الرّمح الشبيه بقدّهويا شاهرا سيفا على لحظه عضبا
للشاعر تاج الملوك الأيوبي، اقرأ القصيدة
ذر الرّمح واغمد ما سللت فربّماقتلت وما حاولت طعنا ولا ضربا

أصابت ركبته طعنة على حلب مات منها بعد أيام.

وفيها تقيّة بنت غيث بن علي الأرمنازي الشاعرة المحسنة، لها شعر سائر، وكانت امرأة برزة جلدة، مدحت تقي الدّين عمر صاحب حماة والكبار، وعاشت أربعا وسبعين سنة، ولها ابن محدّث معروف. [صحبت

الحافظ السّلفي زمانا بثغر الإسكندرية، وذكرها في بعض تعاليقه، وأثنى عليها، وكتب بخطّه] عثرت يوما [في منزل سكناي] فانجرحت، فشقّت وليدة في الدار خرقة من خمارها وعصبت به جرحي فقالت:

لو وجدت السّبيل جدت بخدّيعوضا عن خمار تلك الوليدة
للشاعر تقية بنت غيث الصورية، اقرأ القصيدة
كيف لي أن أقبّل اليوم رجلاسلكت دهرها الطّريق الحميدة
للشاعر تقية بنت غيث الصورية، اقرأ القصيدة

وفيها أبو الفتح الخرقي عبد الله بن أحمد بن أبي [الفتح] الأصبهاني مسند أصبهان. سمع أبا مطيع المصري، وأحمد بن عبد الله السّوذرجانيّ وانفرد بالرواية عن جماعة. توفي في رجب وله تسع وثمانون سنة، وكان رجلا صالحا.

وفيها الأبله الشاعر صاحب الديوان أبو عبد الله محمد بن بختيار البغدادي شاب ظريف، وشاعر مفلق، جمع شعره بين الصناعة والرّقّة، وسمي الأبله لذكائه من باب تسمية الشيء بضده كما يقال للأسود كافور.

أنشد الأبله لابن الدّوامي الحاجب يوما قوله:

زار من أحيا بزورتهوالدّجى في لون طرّته
للشاعر الأبله البغدادي، اقرأ القصيدة
قمر يثني معاطفهبانة في طيّ بردته
بتّ أستجلي المدام علىغرّة الواشي وغرّته
للشاعر الأبله البغدادي، اقرأ القصيدة
آه من خصر له وعلىرشفة من برد ريقته
يا له في الحسن من صنمكلّنا من جاهليّته
للشاعر الأبله البغدادي، اقرأ القصيدة

فقال له ابن الدّوامي: يا حجّة العرب! هي لك؟ قال: نعم، فصاح صائح: يكذب، ما هي له، ففتشوا فلم يجدوا أحدا، فقال: أنشدني غيرها.

فأنشده غيرها، كل ذلك والقائل يقول له تكذب- ثلاث مرات- فقال الأبله في الثالثة: فما هي لي فهي لمن؟ فقال القائل: هي لي، قال: ومن أنت؟ قال شيطانك الذي أعلمك قول الشعر، قال له: صدقت، الله يحفظك عليّ.

قال أبو الدرّ الرّومي الشاعر: مرض الأبله فعدته، فقال: ما بقيت أقدر أنظم، قلت: فما سببه؟ قال: مات تابعي، وتوفي بعد ذلك ومن شعره أيضا:

دارك يا بدر الدّجى جنّةبغيرها نفسي ما تلهو
للشاعر الأبله البغدادي، اقرأ القصيدة
وقد روي في خبر أنهأكثر أهل الجنّة البله
للشاعر الأبله البغدادي، اقرأ القصيدة

وله:

يا ذا الذي كفل اليتيموقصده كفل اليتيم
للشاعر الأبله البغدادي، اقرأ القصيدة
إن كنت ترغب في النّعيمفقد حصلت على الجحيم

قال الذهبي: مات وخلّف ثمانية آلاف دينار، ولم يكن له وارث، وتوفي في جمادى الآخرة.

وفيها أبو العلاء البصري محمد بن جعفر البصري ثم البغدادي المقرئ، قرأ القراءات على أبي الخير الغسّال وسمع من ابن بيان، وأبي النّرسي، وعاش ثلاثا وتسعين سنة.

وفيها قاضي زبيد الإمام الفاضل البارع المحمود السيرة، علي بن الحسين السّيري - بفتح السين وبالراء المهملتين- توفي بمخلاف الساعد قافلا من مكّة، وكان ممن أجمع على فضله الموافق والمخالف، يقال: إنه أجاب عن ألف مسألة امتحنه بها أهل زبيد، وفضائله يتعجب منها السامع، كما قال ابن سمرة.

وفيها أبو طالب الكتّاني محمد بن علي بن أحمد الواسطي المحتسب. توفي في المحرّم، وله أربع وتسعون سنة. سمع من أبي الصقر الشاعر، وأبي نعيم الجمّاري وطائفة، وانفرد بإجازة أبي طاهر أحمد بن الحسن الكرجي، [و] الباقلّاني، وجماعة، ورحل إلى بغداد فلحق بها أبا الحسن بن العلّاف، وكان ثقة ديّنا.

وفيها يونس بن محمد بن منعة الإمام رضي الدّين الموصلي الشافعي، والد العلّامة كمال الدّين موسى، وعماد الدّين محمد، تفقّه على الحسين بن نصر بن خميس، وببغداد على أبي منصور الرزاز، ودرّس، وأفتى، وناظر، وتفقّه به جماعة، وكان مولده بإربل سنة إحدى عشرة وخمسمائة، وتوفي في المحرم.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.