تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة خمس وستين وسبعمائة

توفي فيها أبو جعفر أحمد بن عبد الحقّ بن محمد بن عبد الحقّ المالكي المالقي الجدلي النحوي، يعرف بابن عبد الحق.

قال في «تاريخ غرناطة»: من صدور أهل العلم، متضلع من صناعة العربية، حائز قصب السّبق فيها، عارف بالفروع والأحكام، مشارك في الأصول والأدب والطبّ، قائم على القراآت تصدّر للإقراء ببلده، وقضى ببلّش وغيرها، فحسنت سيرته. قرأ على أبي عبد الله بن بكر، ولازمه، وتلا على أبي محمد بن أيوب، وروى عن أبي عبد الله الطّنجانيّ وغيره.

مولده ثامن شوال سنة ثمان وتسعين وستمائة، ومات يوم الجمعة سابع عشري رجب.

وفيها شهاب الدّين أبو عبد الله أحمد بن محمد بن سليمان الشّيرجيّ البغدادي الحنبلي، الشيخ الصّالح العالم.

سمع من الشيخ عفيف الدّين الدّواليبي «مسند الإمام أحمد» ومن علي بن

حصين، وقرأ بالروايات، واشتغل بالفقه، وأعاد بالمستنصرية. وكان فيه ديانة وزهد وخير، وله شعر مدح به النّبيّ ﷺ.

توفي ببغداد ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وفيها شمس الدّين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي التّتريّ لأن التتار أسروه.

وقال الحسيني: لأن الفرنج أسروه سنة قازان.

سمع من سليمان بن حمزة، وتفقه في مذهب الإمام أحمد، وله مشايخ كثيرة. وحدّث، وسمع منه الحسيني، والمقرئ ابن رجب وذكراه في «معجميهما» وكان فاضلا، متعبدا، حسن الأخلاق والملتقى.

توفي بالصّالحية يوم الخميس ثاني جمادى الآخرة ودفن عند جدّه الشيخ أبي عمر.

وفيها القاضي جمال الدّين أبو حفص عمر بن إدريس الأنباري ثم البغدادي الحنبلي الشهيد الإمام الفاضل. قرأ على البابصري وغيره، وتفقه حتّى مهر في المذهب ونصره، وأقام السّنّة، وقمع البدعة ببغداد، وأزال المنكرات. وكان إماما في التّرسل والنّظم، وله نظم في مسائل الفرائض، وارتفع حتّى لم يكن في المذهب أجمل منه في زمانه، فغضب عليه جماعة من الرافضة، فظفروا به، فعاقبوه مدة، فصبر إلى أن توفي شهيدا، وتأسف عليه أهل بغداد،

ودفن بمقبرة الإمام أحمد بالمدرسة التي عمرها بها ثم إن أعداءه أهلكهم الله تعالى وانتقم منهم جميعا سريعا، وفرح أهل بغداد بهلاكهم.

وفيها القاضي جمال الدّين عبد الصّمد بن خليل الخضري الحنبلي محدّث بغداد، المدرّس بالبشيرية. كان يحدّث ويملي التفسير الرّسعني من حفظه، ويحضره الخلق، منهم المدرّسون والأكابر، وله ديوان شعر حسن، وخطب ووعظ، وقد مدح الشيخ تقي الدين الزّريراتي ورثاه، ورثى الشيخ تقي الدّين بن تيمية أيضا.

توفي ببغداد ودفن بمقبرة الإمام أحمد.

وفيها نور الدّين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن الشيخ الكبير أبي بكر بن قوام البالسي الأصل الدمشقي الأصيل الفقيه الشافعي.

ولد في رمضان سنة سبع عشرة وسبعمائة، وسمع من جماعة، وتفقّه ودرّس وحدّث.

قال ابن كثير: كان من العلماء الفضلاء، ودرّس بالناصرية البرّانية مدة سنين بعد أبيه وبغيرها.

وتوفي في ربيع الآخر ودفن بسفح قاسيون بزاويتهم.

وفيها القاضي تقي الدّين أبو اليمن محمد بن أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر العمري المكي الشافعي الحرازيّ.

ولد بمكّة سنة ست وسبعمائة، وسمع بها كثيرا، وتفقه على والده، ورحل إلى القاضي شرف الدّين البارزي، وأجازه بالفتوى والتدريس. وكان من الفضلاء، وصار إليه أمر الفتيا والتدريس بمكة، ثم ولي القضاء في سنة ستين، ثم أضيف إليه الخطابة، فباشرها نحو سنتين، ثم عزل عن ذلك كلّه في سنة ثلاث وستين بأبي الفضل النويري فلزم بيته حتّى مات لا يخرج منه إلّا لحج أو صلاة غالبا.

وكان في قضائه عفيفا نزها وإنما عزل بسبب حكم نقم عليه أنه أخطأ فيه.

توفي بمكة في جمادى الأولى.

وفيها القاضي تاج الدّين أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن إبراهيم ابن عبد الرحمن السّلمي المصري المناوي الشافعي.

سمع من جماعة، وتفقه على عمّه ضياء الدّين المناوي وطبقته، ودرّس، وأفتى، وحدّث، وناب في الحكم عن القاضي عزّ الدّين ابن جماعة. وكان إليه الأمر في غيبته وحضوره، وولي قضاء العسكر، ودرّس بالمشهد الحسيني وجامع الأزهر، وخطب بالجامع الحاكمي.

ذكره الإسنوي في «طبقاته» وقال: كان محمود الخصال مشكور السيرة.

وقال غيره: كان مهابا، صارما، لكنه قليل البضاعة في العلوم، مع صرامته في القضاء والعمل بالحقّ والنّصرة للعدل، والدّربة بالأحكام، والاعتناء بالمستحقين من أهل العلم وغيرهم. وكان القاضي عزّ الدّين قد ألقى إليه مقاليد الأمور كلّها حتّى الأقاليم.

توفي في ربيع الآخر، ودفن بتربته بظاهر باب تربة الشّافعي.

وفيها السّيّد شمس الدّين أبو عبد الله محمد بن الحسن بن عبد الله الحسيني الواسطي، نزيل الشّامية الجوانية الشّافعي المؤرّخ.

ولد سنة سبع عشرة وسبعمائة، واشتغل وفضل، ودرّس بالصّارمية، وأعاد بالشّامية البرّانية، وكتب الكثير نسخا وتصنيفا بخطّه الحسن.

فمن تصنيفه «مختصر الحلية» لأبي نعيم في مجلدات، سمّاه «مجمع الأحباب» و «تفسير» كبير، و «شرح مختصر ابن الحاجب» في ثلاث مجلدات، وكتاب في أصول الدّين مجلد. وكتاب في الردّ على الإسنوي في تناقضه.

وكان منجمعا عن الناس وعن الفقهاء خصوصا.

توفي في ربيع الأول ودفن عند مسجد القدم.

وفيها العارف بالله المحقّق محمد بن محمد بن محمد المعروف بسيدي محمد وفا والد بني وفا المشهورين الإسكندري الأصل المالكيّ المذهب الشّاذليّ طريقة.

ولد بثغر الإسكندرية سنة اثنتين وسبعمائة، ونشأ بها، وسلك طريقة الشيخ أبي الحسن الشّاذلي، وتخرّج على يد الأستاذ ابن باخل، ثم رحل إلى إخميم، وتزوج بها، واشتهر هناك، وصار له سمعة ومريدون وأتباع كثيرة، ثم قدم مصر وسكن الرّوضة على شاطئ النّيل، وحصل له قبول من أعيان الدولة وغيرهم، وكان له فضيلة ومشاركة حسنة ونظم ونثر ومعرفة بالأدب، وكثر أصحابه، وصاروا يبالغون في تعظيمه، وكان لوعظه تأثير في القلوب، ثم سكن القاهرة، ولم يزل أمره يشتهر وذكره ينتشر مع جميل الطريقة وحسن السيرة إلى أن توفي يوم الثلاثاء

حادي عشر ربيع الآخر ودفن بالقرافة وقبره مشهور يزار. قاله في «المنهل الصّافي».

وفيها محبّ الدّين محمد بن علي بن مسعود الطّرابلسي، المعروف بابن الملّاح النّحوي.

قال في «الدّرر»: كان عارفا بالعربية، وافر الدّيانة، جيد النّظم والكتابة، مات بطرابلس.

وفيها فتح الدّين أبو الحرم محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم بن أبي الفتح القلانسي الحنبلي المسند.

ولد في ثالث عشر ذي الحجّة سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وسمع الكثير من ابن حمدان، والأبرقوهي، وغيرهما. وحدّث فسمع منه المقرئ ابن رجب، وذكره في «مشيخته» وقال: فيه صبر وتودد على التحدّث، سمعت عليه بالقاهرة أجزاء، منها «السّباعيات» و «الثمانيات».

توفي بالقاهرة في جمادى الأولى.

وفيها تقي الدّين [اليونيني] محمد بن الشيخ الإمام المؤرّخ قطب الدّين موسى بن محمد بن أبي الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن أحمد ابن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، هكذا نقل هذا النسب والده المؤرخ قطب الدّين الحنبلي.

سمع من أولاد عمه محمد وأمة العزيز، وفاطمة، وزينب أولاد الشيخ شرف الدّين اليونيني.

وكان رضيّ النّفس، قليل الكلام، حسن الخلق، كثير الأدب، يحمل حاجته بنفسه.

توفي يوم الأحد ثالث ذي الحجّة.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.