تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة أربع وخمسين وثمانمائة

فيها توفي شهاب الدّين أبو العبّاس أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم.

قال ابن تغري بردي: الإمام، العالم، العلّامة، [البارع]، المفنّن، الأديب، الفقيه، اللّغوي، النحوي، المؤرخ، الدمشقي، الحنفي، المعروف بابن عربشاه.

كان إمام عصره في المنظوم والمنثور، تردّد إلى القاهرة غير مرة، وصحبني في بعض قدومه إلى القاهرة، وانتسج بيننا صحبة أكيدة ومودة، وأسمعني كثيرا من مصنّفاته نظما ونثرا، بل غالب ما نظمه ونثره وألّفه، وكان له قدرة على نظم العلوم، وسبكها في قالب المديح والغزل، وسيظهر لك فيما كتبه لي لمّا استجزته، كتبه بخطّه، وأسمعنيه من لفظه غير مرة، وهو هذا:

بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد الله الذي زيّن مصر الفضائل بجمال يوسفها العزيز، وجعل حقيقة ذراه مجاز أهل الفضل فحلّ به كل مجاز ومجيز، أحمده حمد من طلب إجازة كرمه فأجاز، وأشكره شكرا أوضح لمزيد نعمه علينا سبيل المجاز، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله يجيب سائله، ويثيب آمله، ويطيب لراجيه نائله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، سيّد من روى عن ربّه وروي عنه، والمقتدى لكل من أخذ عن العلماء وأخذ منه صلى الله عليه ما رويت الأخبار، ورؤيت الآثار، وخلّدت أذكار الأبرار في صحائف الليل والنهار، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأحزابه، وسلّم، وكرّم، وشرّف، وعظم.

وبعد: فقد أجزت الجناب الكريم العالي، ذا القدر المنيف الغالي، والصدر الذي هو بالفضائل حالي، وعن الرذائل خالي، المولوي الأميري الكبيري الأصيلي العريقيّ الكاملي الفاضلي المخدومي [الجماليّ] أبا المحاسن، الذي ورد فضائله وفواضله غير آسن، يوسف بن المرحوم المقرّ الأشرف الكريم العالي المولوي الأميري الكبيري المالكي المخدومي السّيفي تغري بردي الملكي الظاهري، أدام الله جماله وبلّغه من المرام كماله، وهو ممن تغذّى بلبان الفضائل، وتربى في حجر قوابل الفواضل، وجعل اقتناء العلوم دأبه، ووجه إلى مدين الآداب ركابه، وفتح إلى دار الكمالات بابه، وصيّر أحرازها في خزائن صدره اكتسابه، فحاز بحمد الله تعالى حسن الصّورة والسيرة، وقرن بضياء الأسرّة صفاء السّريرة، وحوى السّماحة، والحماسة، والفروسية، والفراسة، ولطف العبارة والبراعة، والعرابة واليراعة، والشهامة والشجاعة، فهو أمير الفقهاء، وفقيه الأمراء، وظريف الأدباء، وأديب الظّرفاء:

فمهما تصفه صف وأكثر فإنّهلأعظم ممّا قلت فيه وأكبر

فأجزت له معولا عليه- أحسن الله إليه- أن يروي عني هذه المنظومة المزبورة المرقومة، التي سمّيتها «جلوة الأمداح الجمالية في حلّتي العروض والعربية» عظّم الله تعالى شأن من أنشئت فيه، وحرسه بعين عنايته وذويه، وسائر ما تجوز لي وعني روايته، وينسب إلى علمه ودرايته، من منظوم ومنثور، ومسموع ومسطور، بشروطه المعتبرة، وقواعده المحرّرة، عموما، وما أذكر لي من مصنّفات خصوصا، فمن ذلك «مرآة الأدب في علمي المعاني والبيان» منها بعد ذكر الخطبة في تقسيم العربية وذكر فائدته وأقسامه:

بدر تأدّب حتّى كلّه أدبيقول من يهو وصلي يكتسب أدبي
بدا بتاج جمال في حلى أدبتسربل الفضل بين العجب والعجب
يصن كلامي وخطّي في معاهدتيعن الخطا إنّني بدر من العرب
هذا وقدر علومي كالبروج علافمن ينلها يصر في الفضل كالشّهب
أصولها مثل أبواب الجنان زهتينال من نالها ما رام من رتب
خذ بكر نظم تجلّت وجهها غزلوروحها العلم والجثمان من أدب
فريد لفظي إذا ما رمت جوهرهترى الصّحاح كثغر زين بالشّنب
وإن تصرّف من عقد ومن عقدإلى عقود فهذا الصّرف كالذّهب
لفظي من الشّهد مشتقّ بخطّي ذاسيف فدونك علم الضّرب والضّرب
أصل المعاني إذا ما رمت من كلميفقل هي الدّرّ واقصد نحونا تصب
معناي زاد على حسني فصنّف فيعلم المعاني وفي حسني وفي حسبي
طورا أبين كما طورا أبين لذافنّ البيان غدا مرآة مطّلبي
طبعي وشعري وأوزاني يناط بهاعلم العروض مناط الودّ بالسّبب
حسني وظرفي وآدابي قد انتظمتنظم القوافي فخذ علمي وسل نسبي
قد أخلف البان قدّي حين خطّ علىخدّي لريحان خطّ ليس في الكتب
هذا على أصل حسني يستزاد فلاتعب ودونك علم الخطّ لا تخب
في وصفي النّظم والنّثر البديع فخذعلم القريض مع الإنشاء والخطب
وإن تحاضر فحاضر في مغازلتيواحفظ تواريخ ما أمليه من نخب
واقصد بديع معانيّ الّتي بهرتعند البيان عقول العجم والعرب
إنّي أنا البدر سار في منازلهمكمّل الحسن بين الرّأس والذّنب

ومن ذلك «العقد الفريد في علم التوحيد» وأوله بعد الخطبة:

سبى القلب ظبيّ من بني العلم أغيدله مقلة كحلى وخدّ مورّد
أوحّد من أنشاه للخلق فتنةفيسأل ما التّوحيد وهو يعربد
فقلت له: الإيمان بالله من يرىلحاظك باري الخلق والكون يشهد
فبالكتب والأملاك والرّسل صل فتىبراه هواك القاتل المتعمّد
وإن تفنني هجرا أقم يوم بعثتيوقد نشر الأموات والحوض يورد
وقد كوّرت شمس وشقّقت السّماوكلّ الورى نحو القصاص تحشّدوا
وقد نصب الميزان وامتدّ جسرهموأقبلت في ثوب الجمال تردّد
أنادي وقد شبّثت كفّي بذيلهوتضريج أكفاني ولحظك يشهد
حبيبي بم استحللت قتل مبرّأوما ذنبه إلّا ضنّي فيك مكمل
فقال: أما هذا بتقدير من قضىوحكم مضى ما فيه قطّ تردّد
فقلت: بلى والخير والشّر قدّراوكلّ بتقدير المهيمن مرصد
فقال: فمن هذا الّذي ذاك حكمهوتقديره صفه لكميا أوحّد
فقلت: إله واحد لا مشاركله، لم يلد، كلّا، ولا هو والد

واستطردت من ذلك إلى ذكر الصّفات وتنزيه الذات إلى أن قلت:

هو الله من أنشاك للخلق فتنةليسفك من جفنيه سيف مهنّد

ومن: مصنّفاتي المنثورة تاريخ تمرلنك «عجائب المقدور في نوائب تيمور».

ومنها: «فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظّرفاء». ومنها «خطاب الإهاب الناقب وجواب الشّهاب الثاقب». ومنها: «الترجمان المترجم بمنتهى الأرب في لغة الترك والعجم والعرب».

ومن النظم القصيدة المسماة «العقود النصيحة» أولها:

لك الله هل ذنب فيعتذر الجانيبلى صدق ما أنهاه إنّي بكم فاني
ومن سوء حظّ الصّبّ أن يلعب الهوىبأحشائه، والحبّ يومي بولعان
ومن شيم الأحباب قتل محبّهمإذا علموه فيهم صادقا عاني

ومن ذلك: «غرة السّير في دول الترك والتتر».

وكان عند كتابة هذه الإجازة لم يتم. واقتصر في «التذكرة» على هذه المصنّفات العشرة للوجازة لا للإجازة.

هذا، وأما مولدي فداخل دمشق ليلة الجمعة الخامس والعشرين من ذي القعدة سنة تسعين وسبعمائة، ثم ذكر ترجمة طويلة لنفسه.

قال صاحب «المنهل»: ومن نظمه معمّى:

وجهك الزّاهي كبدرفوق غصن طلعا
واسمك الزّاكي كمشكاة سناها لمعا
في بيوت أذن اللّ-هـ لها أن ترفعا
عكسها صحّفه تلقىالحسن فيها أجمعا

وتوفي يوم الاثنين خامس رجب بالقاهرة عن اثنتين وستين سنة وستة أشهر وعشرين يوما. انتهى.

وفيها كمال الدّين محمد بن صدقة المجذوب الصّاحي، الولي المكاشف الدمياطي الأصل ثم المصري الشافعي.

اشتغل، وحفظ «التنبيه» و «الألفية» وتكسّب بالشهادة بمصر، ثم حصل له جذب، وظهرت عليه الأحوال الباهرة والخوارق الظاهرة، وتوالت كراماته، وتتابعت آياته، واشتهر صيته، وعظم أمره، وهرع الأكابر لزيارته، وانقاد له الأماثل، حتّى الفقهاء، كالكمال إمام الكاملية وغيره.

ومن كراماته أن رجلا سأله حاجة فأشار بتوقفها على خمسين دينارا، فأرسلها إليه، فوصل القاصد إليه بها، فوجده قاعدا بباب الكاملية، فبمجرّد وصوله إليه أمره بدفعها لامرأة مارّة بالشارع لا تعرف، فأعطاها إيّاها، فانكشف بعد ذلك أن ولدها كان في الترسيم على ذلك المبلغ بعينه لا يزيد ولا ينقص عند من لا رحمة عنده، بحيث خيف عليه التلف.

توفي بمصر وصلّي عليه في محفل حافل، ودفن بالقرافة بجوار قبر الشيخ أبي العبّاس الخرّاز. قاله المناوي في «طبقات الأولياء»

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.