من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة إحدى وتسعين وتسعمائة
فيها- تقريبا- توفي برهان الدّين إبراهيم بن المبلّط القاهري شاعر القاهرة.
كان فاضلا، أديبا، شاعرا.
ومن شعره في القهوة:
يقول عذولي قهوة البن مرّةوشربة حلو الماء ليس لها مثل
فقلت على ما عبتها بمرارةقد اخترتها فاختر لنفسك ما يحلو
وقال:
أرى قهوة البّن في عصرناعلى شربها النّاس قد أجمعوا
وصارت لشرابها عادةوليست تضرّ ولا تنفع
وقال:
يا عائبا لسواد قهوتنا التيفيها شفاء النّفس من أمراضها
أو ما تراها وهي في فنجانهاتحكي سواد العين وسط بياضها
وفيها نور الدّين علي بن علي السّنفي المصري ثم الدمشقي الشافعي الإمام العلّامة.
قال في «الكواكب»: ولد بمصر سنة إحدى وتسعمائة، وأخذ الفقه وغيره عن القاضي زكريا، والبرهان بن أبي شريف، والبرهان القلقشندي، والكمال الطّويل، وغيرهم. وورد الشام وقطنها، وانتفع به الفضلاء، كالشيخ إسماعيل النابلسي، وشيخنا شيخ الإسلام أحمد العيثاوي.
وولي نيابة القضاء بالكبرى، وتنزّه عن المحصول برهة ثم تناوله، وكانت وفاته بدمشق ليلة الأحد رابع شعبان.
وفيها جمال الدّين محمد بن أبي بكر الأشخر- بالشين المعجمة السّاكنة، والخاء المعجمة، بعدها راء- اليمني الشافعي الإمام العلّامة.
قال في «النور»: ولد في اليوم الثاني والعشرين من ذي الحجّة سنة خمس وأربعين وتسعمائة، وتخرّج بأبيه، وقرأ على جماعة من الجلّة، وحصل له من الجميع الإجازة، وبرع في العلوم، حتّى صار شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، الفرد الحافظ الحجّة السالك بالطالبين في أوضح المحجّة، إمام الفنون الذي اعترف بتقدّمه المفتون.
وله التصانيف المفيدة والتآليف العديدة، منها «منظومة الإرشاد» و «شرح الشذور» و «منظومة» في أصول الفقه وشرحها، و «مختصر المحرّر» للسّمهودي في تعليق الطلاق، و «منظومة في أسماء الرجال» و «ألفية» في النحو، نظمها في مرض موته، وله «فتاوى» مجلد ضخم، و «شرح بهجة المحافل» واختصر «التفاحة في علم المساحة» وله غير ذلك.
ومن نظمه جامعا غزوات النّبيّ ﷺ:
غزوة بدر أحد فالخندقبني قريظة بني المصطلق
وخيبر وطائف بالاتفاققاتل فيها المصطفى أهل الشّقاق
والخلف في بني النّضير ذكرافتح حنين غاية وادي القرى
وله فيها مرتبا على سني الهجرة الشريفة:
فبدر فأحد بعد هاذين خندقفذات رقاع والمريسيع خيبر
وفتح تبوك رتّبت هذه علىسني هجرة كلّ بذاك يخبر
ومنه مما يتعلق بالبروج والمنازل:
وزنوا عقربا بقوس شتاءغفروا للبليد لمّا أساء
شرب الجدي دلو حوت ربيعافله الذّبح حيث حلّ الرشاء
حمل الثور جوزة نحو صيفشاركا للذّراع لما أشاء
سرط اللّيث سنبلا بخريفناثرا أنجم السّماك شراء
ونظمه كثير، وعلمه غزير، ونظم كثيرا من المسائل العلمية والقواعد الفقهية ليقرب ضبطها ويسهل حفظها.
وبالجملة فإنه كان آية من آيات الله تعالى خاتمة المحقّقين لم يخلّف بعده مثله، وتخرّج به جماعة من بلده وغيرها:
منهم أخوه العلّامة أحمد الأشخر، وناهيك به، إذ حفظ «العباب» للمزجّد، وكان أخوه يعظّمه ويقدمه على سائر الطلبة، غير أنه بعد ذلك ظهرت فيه طبيعة السوداء، فترك الاجتماع بالناس، إلّا نادرا، ومع ذلك لما اجتمع به الفقيه أحمد بن الفقيه محمد باجابر، حصل له عنده الحظوة التامة، واختلى به أياما مدة إقامته عنده، وأملى عليه شيئا كثيرا من نظم أخيه، وبحث معه في مسائل فقهية، وتعجب الناس لذلك، فرحمهم الله تعالى جميعا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع