من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة تسع وثمانين وتسعمائة
فيها توفي- ظنا- داود بن عمر الأنطاكيّ الطّيب الأكمه، العالم العلّامة.
قال الطالوي في «السانحات»: داود بن عمر الأنطاكي نزيل القاهرة المعزّيّة، والمميّز على من له فيها المزيّة، المتوحّد بأنواع الفضائل، والمتفرّد بمعرفة علوم الأوائل، سيما علم الأبدان، المقدّم على علم الأديان، فإنه بلغ فيه الغاية التي لا تدرك.
وأما معرفته لأقسام النبض فآية له باهرة، وكرامة على صدق دعواه ظاهرة.
ولقد سألته عن مسقط رأسه ومشعل نبراسه، فأخبرني أنه ولد بأنطاكية بهذا العارض، قال: وقد بلغت سيّارة النجوم وأنا لا أستطيع أن أقوم لعارض، ريح تحكم في الأعصاب. وكان والدي رئيس قرية حبيب النجار، واتخذ قرب مزار
سيدي حبيب رباطا للواردين، وبنى فيه حجرات للمجاورين، ورتّب لها في كل يوم من الطعام ما يحمله إليه بعض الخدام، وكنت أحمل إلى الرّباط فأقيم فيه سحابة يومي، وإذا برجل من أفاضل العجم يدعى محمد شريف، نزل بالرّباط، فلما رآني سأل عني فأخبر، فاصطنع لي دهنا مسّدني به في حرّ الشمس، ولفّني في لفافة من فرقي إلى قدمي، حتى كدت أموت، وتكرّر منه ذلك الفعل مرارا، من غير فاصل، فقمت على قدمي، ثم أقرأني في المنطق، والرياضي، والطبيعي، ثم أفادني اللغة اليونانية، وقال: إني لا أعلم الآن على وجه الأرض من يعرفها غيري، فأخذتها عنه، وأنا الآن فيها بحمد الله هو إذ ذاك، ثم سار. فسرت إلى جبل عاملة، ثم إلى دمشق، واجتمعت ببعض علمائها، كأبي الفتح المغربي، والبدر الغزّي، والعلاء العمادي، ثم دخلت مصر وها أنا فيها إلى الآن.
قال وكان فيه دعابة وحسن سجايا، وكرم نجار، وخوف من المعاد، وخشية من الله. كان يقوم الليل إلّا قليلا، ويتبتّل إلى ربّه تبتيلا.
وكان إذا سئل عن شيء من العلوم الحكمية، والطبيعية، والرياضية، أملى ما يدهش العقل بحيث يجيب على السؤال الواحد بنحو الكرّاسة.
ومن مصنّفاته «التذكرة» جمع فيها الطب والحكمة، ثم اختصرها في مجلدة، وشرح «قصيدة النفس» لابن سينا شرحا حافلا نفيسا، وقرئ عليه.
قال: وأجازني إجازة طنّانة، ثم أوردها في «السّانحات» فراجعه.
وفيها المولى أحمد المشتهر بمظلوم ملك.
قال في «ذيل الشقائق»: اشتغل بالعلوم، وصار من ملازمي المولى جعفر، وتنقّل في المدارس، ثم قلّد قضاء بيت المقدس، ثم المدينة المنورة، ثم مكّة المشرّفة.
وكان- رحمه الله تعالى- عالما، فصيحا، حازما، جيد العقيدة، صاحب أخلاق حميدة ووقار واتّعاظ.
وتوفي بقسطنطينية. انتهى وفيها المولى خضر بك ابن القاضي عبد الكريم.
ولد بقسطنطينية المحمية، ونشأ في خدمة الفضل وذويه، وقرأ على علماء عصره، حتى صار ملازما من المولى أحمد المشتهر بمعلّم زاده، ودرّس بعدة مدارس، إلى أن قلّد المدرسة المشهورة بمناستر بمحروسة بروسة.
وتوفي مدرّسا بها، وكان من الغائصين في لجج بحار العلوم على درر دقائق الفهوم، مكبّا على الاشتغال، غير أنه لا يخلو عن القيل والقال، مطلق اللسان في السّلف، ومزدريا بشأن الخلف، مع غاية الإعجاب بنفسه، عفا الله عنه بلطفه في رمسه. قاله في «العقد المنظوم».
وفيها باكثير عبد المعطي بن الشيخ حسن بن الشيخ عبد الله المكّي الحضرمي الشافعي الإمام العلّامة المحدّث المعمّر.
قال في «النور»: ولد بمكّة في رجب سنة خمس وتسعمائة، ونشأ بها، ولقي جماعة من العلماء، منهم الشيخ زكريا الأنصاري، سمع عليه «صحيح البخاري» بقراءة والده، فهو يرويه عنه سماعا كما في اصطلاح أهل الحديث، وأخذ عن
جماعة، وقرأ على بعض شيوخه كتاب «الشفا» في مجلس واحد من صلاة الصبح إلى الظهر.
وكان عالما، مفنّنا، لطيف المحاورة، فكها، له ملح ونوادر، أديبا شاعرا، مصقعا.
ومن شعره:
قلت إذ أقبل الرّبيع ووافىورده الغض ليت ذاك نصيبي
فخدود الملاح تعزى إليهوشذاه أربي على كلّ طيب
ومنه:
الورد سلطان الزّهور وما سواه الحاشية
فللونه المحمرّ ينسب حسن خدّ الغانية
وإذا تضوّع نشرهيهدي إليك الغالية
ومنه:
وميمات الدّواة تعدّ سبعاوسبعا عدّهنّ بلا خفاء
مداد ثم محبرة مقصّومرملة ومصمغة الغراء
ومكشطة ومقلمة مقطّومصقلة مموّهة لماء
ومحراك ومسطرة مسنوممسحة لختم وانتهاء
ومنه في القهوة:
أهلا بصافي قهوة كالإثمدجليت فزينت بالخمار الأسود
لمّا أديرت في كؤوس لجينهابيمين ساق كالقضيب الأملد
يحكي بياض إنائها وسوادهاطرفا كحيلا لا بكحل المرود
ودخل الهند بأخرة، وأقام بها إلى أن مات بأحمد أباد ليلة الثلاثاء لثلاث بقين من ذي الحجّة.
وفيها السيّد علاء الدّين علي بن محمد بن حمزة الفقيه الشافعي المسند، قاضي القضاة الشافعية بدمشق، ونقيب الأشراف بها.
ولد يوم الخميس سادس ربيع الأول سنة ثمان وتسعمائة، وأخذ عن والده وغيره، وسمع على والده «المشيخة» التي خرّجها لنفسه بقراءة الشيخ شرف الدّين موسى الحجّاوي الحنبلي في مجلسين آخرهما يوم الثلاثاء حادي عشر شوال سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة بمنزل والده شمالي المدرسة البادرائية، وأجازه أن يرويها عنه، وجميع ما يجوز له وعنه روايته، وقد تسلسل له فيها من المسلسلات قبل ذلك.
وممن أخذ عن صاحب الترجمة الشيخ زين الدّين الشهير بابن صارم الدّين الصّيداوي الشافعي، وروى عنه المسلسل بالقضاة.
وتوفي يوم الأحد سابع عشري القعدة الحرام، رحمه الله تعالى.
وفيها قطب شاه سلطان كلكندة.
قال في «النور»: كان عادلا، كريما إلا أنه كان غاليا في التّشيّع.
وفيها- تقريبا- ولي الدّين محمد بن علي بن سالم الشّبشيري القاهري الشافعي العالم الفاضل المعمّر.
قال في «الكواكب»: أخذ عن السخاوي، والديمي، والسيوطي، والقاضي زكريا، وآخرين.
وتوفي في حدود التسعين وتسعمائة، رحمه الله تعالى، انتهى.
وفي حدودها شمس الدّين محمد الصّفري القدسي الشافعي الإمام العالم الواعظ بالجامع الأزهر.
أخذ عن علماء عصره، ودأب، وحصّل، ووعظ، وأفاد، رحمه الله تعالى.
وفيها المولى محمد المعروف بصار كرز [أو غلي] زاده نسبة إلى جدّه من قبل أبيه، الحنفي الرّومي.
قال في «العقد المنظوم»: نشأ في مجالس الأفاضل الأكارم، ومحافل الأماثل الأعاظم، مغترفا من حياض معارفهم، ومتأنّقا في رياض لطائفهم، إلى أن صار ملازما من المولى أبي السعود، وتنقّل في المدارس إلى أن قلّد قضاء المدينة المنوّرة، فتبرّم من ذلك، فبدّل بقضاء حلب فلم يبارك له في عمره، بل في مدة تقرب من سنتين توفي.
وكان- رحمه الله تعالى- عالما، عاملا، فاضلا، كاملا، حليما، سليما، لطيف الطبع، وقورا، صبورا، مهتما بدرسه، مشتغلا بنفسه، وله «تعليقة» على كتاب الصوم من «الهداية» و «حواش على المفتاح» من القانون الأول إلى آخر بحث الاستعارة، و «حواش على الهيئات من شرح المواقف» وله رسالة بليغة في وصف العلم مطلعها:
لك الحمديا من أنطق النّون والقلمفأوصافه جلّت عن النّقص والعدم
وأضحك من طرس ثغورا بصنعهوأبكى به عين اليراع من السّقم
صلاة وتسليم على الرّوضة التيتعطّر من أنفاسها المسك والشّمم
وبقيتها سجع في غاية البلاغة. انتهى
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع