تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة اثنتين وثمانين وتسعمائة

فيها عمر درويش باشا الوزير جامعا بدمشق المحروسة فجعل له ماميّة تاريخا فقال:

في دولة السّلطان بالعدل مرادمن قام بالفرض وأحيا السّنّه
درويش باشا قد أقام معبداوكم له أجر به ومنه
بناه خير جامع تاريخهلله فاسجد واقترب بجنّه

وفيها توفي السلطان الأعظم سليم بن سليمان.

قال في «الأعلام» مولده الشريف سنة تسع وعشرين وتسعمائة، وجلوسه على تخت ملكه الشريف بالقسطنطينية العظمى في يوم الاثنين لتسع مضين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وتسعمائة، ومدة سلطنته الشريفة تسع سنين، وسنّه حين تسلطن ست وأربعون سنة، وعمره كلّه ثلاث وخمسون سنة.

وكان سلطانا، كريما، رؤوفا بالرّعية، رحيما، عفوّا عن الجرائم، حليما، محبّا للعلماء والصلحاء، محسنا إلى المشايخ والفقراء، طالما طافت بكفّيه الآمال واعتمرت، وصدع بأوامره الليالي والأيام فائتمرت. كم أظهرت لسواد الكفرة يد

صارمه البيضاء آية للناظرين، وكم جهّز جيوشا للجهاد في سبيل الله فقطع دابر القوم الكافرين، فمن أكبر غزواته فتح جزيرة قبرس بسيف الجهاد، ومنها فتح تونس المغرب، وحلق الواد، ومنها فتح ممالك اليمن واسترجاعها من العصاة البغاة أهل الإلحاد.

ومن خيراته تضعيف صدقة الحبّ على أهل الحرمين والأمر ببناء المسجد الحرام.

وتوفي لسبع مضين من شهر رمضان، ودفن بقرب أيا صوفيا، وتولى بعده ولده السلطان مراد، ولماميّة الرّوم في تاريخ جلوسه:

بالبخت فوق التّخت أصبح جالساملك به رحم الإله عباده
وبه سرير الملك سرّ فأرّخواحاز الزّمان من السّرور مراده

وفيها إلياس القرماني الطّبيب الحنفي.

قال في «العقد المنظوم»: ولد بولاية قرمان، ثم خرج من بلاده لطلب العلم بعد ما بلغ الحنث، وتنقّل في البلدان، حتّى وصل إلى خدمة الحكيم إسحاق، وحصل عنده بعض العلوم، سيما الطب، وفتح حانوتا في بعض الأسواق، وتكسّب بالطب وبيع المعاجين والأشربة، ثم فرغ عن الحانوت، وشمّر عن ساق الاجتهاد، وبعد ما ظهر فيه الشّيب وتقيد بأخي زاده، وحصّل عليه كثيرا من العلوم، هذا مع العائلة والاحتياج، إلى أن برع وفاق أقرانه، وكان من

العلماء العاملين، مع كمال الورع والتصلّب في الدّين، آية في الزّهد والتّقوى، متبحّرا في الفنون الشرعية والنقلية، مشاركا في العلوم العقلية. وكان يفسّر القرآن العظيم وينتفع به الناس، إلى أن توفي شهيدا في ذي القعدة، وذلك أنه طبّب فرهاد باشا الوزير من سلس البول، فمات في أيام قلائل بالزّحير فاتّهم بقتله، فترصّد له جماعته ساعة، حتّى خرج من داره، فضربوه بالسكاكين حتّى قتلوه، فغضب السلطان لذلك، وصلب بعضهم، ونفى الباقين.

وفيها الشيخ عبد القادر بن أحمد بن علي الفاكهي المكّي الشافعي.

قال في «النور»: ولد في ربيع الأول عام عشرين وتسعمائة.

وكان إماما، عالما، وله تصانيف كثيرة، لا تحصى، منها شرحان على «البداية» للغزالي، ورأيت منها جملة عديدة في فنون شتّى، ولعمري أنه كان يشبه الجلال السيوطي في كثرتها، بحيث إنه يكتب على كل مسألة رسالة، مع أن عبارته ما هي بذاك ﵀.

وتوفي بمكّة. انتهى وفيها سراج الدّين عمر بن عبد الوهاب النّاشري اليمني الشافعي.

قال في «النور»: ولد بمدينة زبيد.

وكان إماما، علّامة. وكان سئل عما يعتاده أهل زبيد من العيد الذي في أول خميس من رجب هل له أصل وهل هو سنّة أم لا، فأجاب بهذه الأبيات:

وسائل سال عن قوم وعادتهمعيد الخميس الذي في مبتدا رجب
[أسنّة هو أو لا؟ أوضحوه لناوما لتمييز هذا اليوم من سبب؟
فقلت ذا مبدأ الإسلام في يمنعيد الخميس الذي في مبتدا رجب]
أتى معاذ بأمر الله فيه لنابالاتّباع إلى منهاج خير نبي
فصار ذلك عيدا عندنا فلذانخصّه لمزيد الحبّ بالقرب
ولا نقول بتخصيص الصّيام لهولا صلاة ولا شيء من القرب
نعم لنا فيه تخصيص المحبّة إذكان النّجاة لنا فيه من العطب
فصار إقباله فيه القبول علىقوابل القابلين الكل عن أرب
ثم الصّلاة مع التّسليم لا برحاعلى محمد خير العجم والعرب
والآل والصّحب ثم التّابعين لهمما انهلّ مزن على الأشجار والكثب

وفيها القاضي عيسى الهندي العلّامة المفنّن.

قال في «النور»: كان من أعيان العلماء المشهورين، وواحد المشايخ المدرّسين، وله تصانيف نافعة، رحمه الله تعالى.

وتوفي بأحمدآباد. انتهى.

وفيها ناصر الدّين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عيسى بن شرف، المعروف بابن أبي الجود، وبابن أبي الحيل قديما، وبابن الكشك الشلّاح أبوه.

قال في «الكواكب»: قال الوالد قرأ عليّ من «الترمذي» إلى كتاب الصلاة، والبردة، والمنفرجة، وسمع قصيدتي القافية والخائية، مرثيتي شيخ الإسلام.

[وقصيدتي التائية المثلثة، في مجدّدي دين الأمة، وبعض كتابي الدرّ النضيد،] وغير ذلك وأجزته، مولده سنة تسع عشرة وتسعمائة. انتهى.

وأخبرنا الشيخ أبو اليسر القوّاس أنه كان له ذكاء مفرط، وعرض له أكل الأفيون، وهو لبن الخشخاش، وغلب عليه فكتبت إليه العمّة خالة أبي اليسر المذكور السيدة زينب بنت الشيخ رضي الدّين تنصحه:

يا ناصر الدّين يا بن الكشك يا ذا الجوداسمع أقول لك نصيحة تطرب الجلمود
بسك تعاني اللبن فهمك هو المفقوديصير بالك وما لك والذّكا مفقود

وكان المذكور رئيس الكتبة بمحكمة القسمة ومامية ترجمانها، وكان يصير بينهما لطائف ووقائع.

وتوفي يوم السبت رابع عشر الحجّة ودفن بباب الفراديس. انتهى ملخصا.

وفيها المولى أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادي الحنفي الإمام العلّامة.

قال في «العقد المنظوم»: ولد سنة ثمان وتسعين وثمانمائة بقرية قريبة من قسطنطينية، وقرأ على والده كثيرا من جملة ما قرأه عليه «حاشية التجريد» للشريف الجرجاني بتمامها، و «شرح المفتاح» للشريف أيضا قرأه عليه مرتين، و «شرح المواقف» له أيضا، وصار ملازما من المولى سعدي جلبي، وتنقّل في المدارس، ثم قلّد قضاء برسه، ثم قضاء قسطنطينية، ثم قضاء العسكر في ولاية روم إيلي، ودام عليه مدة ثمان سنين، ثم لما توفي المولى سعد الله بن عيسى بن أمير خان تولى مكانه الفتيا، فقام بأعبائها أتمّ قيام، وذلك سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة، واستمر على ذلك إلى أن مات، وسارت أجوبته في جميع العلوم وجميع الآفاق مسير النّجوم، وجعلت رشحات أقلامه تميمة نحر لكونها يتيمة بحر يا له من بحر، وكان من الذين قعدوا من الفضائل والمعارف على سنامها وغاربها، وضربت له نوبة الامتياز في مشارق الأرض ومغاربها، تفرّد في ميدان فضله فلم يجاره أحد، وانقطع عن

القرين والمماثل في كل بلد، وحصل له من المجد والإقبال والشّرف والأفضال ما لا يمكن شرحه بالمقال، وقد عاقه الدرس والفتوى والاشتغال بما هو أهم وأقوى عن التفرغ للتصنيف، سوى أنه اختلس فرصا وصرفها إلى التفسير الشريف، وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأذهان ولم تقرع بمثله الآذان، وسماه ب «إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم» ولما وصل منه إلى آخر سورة ص ورد التقاضي من طرف السلطان سليمان خان، فبيّض الموجود وأرسله إليه، وبعد ذلك تيسّر له الختام، وأنعم عليه السلطان بما لم يدخل تحت الحصر، وله «حاشية على العناية» من أول كتاب البيع، وبعض حواش على بعض «الكشّاف» جمعها حال إقرائه له.

وكان طويل القامة، خفيف العارضين، غير متكلّف في الطعام واللباس، وغير أن فيه نوع اكتراث بمداراة الناس والميل الزائد لأرباب الرئاسة، فكان ذا مهابة عظيمة، واسع التقرير، سائغ التحرير، يلفظ الدّرر من كلمه، وينثر الجوهر من حكمه، بحرا زاخرا، وطودا باذخا.

وله شعر كثير مطبوع، منه قصيدته الميمية الطويلة التي أولها:

أبعد سليمى مطلب ومراموغير هواها لوعة وغرام
وفوق حماها ملجأ ومثابةودون ذراها موقف ومقام
وهيهات أن تثنى إلى غير بابهاعنان المطايا أو يشدّ حزام

وهي طويلة انتهى ملخصا.

وينسب إليه البيتان اللذان أجيب بهما بيتا العجم وهما:

نحن أناس قد غدا دأبناحبّ عليّ بن أبي طالب
يعيبنا النّاس على حبّهفلعنة الله على العائب

فأجاب المولى أبو السعود بقوله:

ما عيبكم هذا ولكنّهبغض الذي لقّب بالصّاحب
وقولكم فيه وفي بنتهفلعنة الله على الكاذب

وتوفي بقسطنطينية مفتيا في أوائل جمادى الأولى، وصلّى عليه المولى سنان محشّي «تفسير البيضاوي» ودفن بجوار أبي أيوب الأنصاري ﵁.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.