تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة إحدى وثمانين وتسعمائة

وفيها- وقيل سنة تسع وسبعين وهو الصحيح- توفي الشيخ شهاب الدّين أحمد الطيّبي الشافعي الإمام العلّامة.

أخذ عن الكمال بن حمزة وغيره من علماء عصره، وأجازوه، وعني بالحديث والقراآت، فصار ممن يشار إليه فيهما بالبنان.

وكان إماما بجامع بني أمية، علّامة، محدثا، فاضلا، عديم النظير.

ومن شعره عاقدا لما أخرجه أبو المظفّر ابن السّمعاني عن الجنيد ﵀ إنما تطلب الدّنيا لثلاثة أشياء: الغنى، والعزّ، والرّاحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قلّ سعيه فيها استراح، ومن قنع فيها استغنى:

لثلاث يطلب الدّنيا الفتىللغني والعزّ أو أن يستريح
عزّه في الزّهد والقنع غنىوقليل السّعي فيها مستريح

وبالجملة فكان أحد مشايخ دمشق وعلمائها وصدورها، رحمه الله تعالى.

وفيها- تقريبا- شمس الدّين محمد الفارضي القاهري الحنبلي الشاعر المشهور الإمام العلّامة.

قال في «الكواكب»: أخذ عن جماعة من علماء مصر، واجتمع بشيخ

الإسلام الوالد حين كان بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين، وكان بدينا سمينا، فقال الوالد يداعبه:

الفارضيّ الحنبليّ الرّضيفي النحو والشعر عديم المثيل
قيل ومع ذا فهو ذو خفّةفقلت كلا بل رزين ثقيل

واستشهد الشيخ شمس الدّين العلقمي بكلامه في «شرح الجامع الصغير» فمن ذلك قوله في معنى ما رواه الدّينوري في «المجالسة» والسّلفي في بعض تخاريجه، عن سفيان الثوري قال: «أوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: لأن تدخل يدك إلى المنكبين في فم التّنين خير من أن ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر»:

إدخالك اليد في التّنّين تدخلهالمرفق منك مستعد فيقضمها
خير من المرء يرجى في الغنى ولهخصاصة سبقت قد كان يسنمها

ومن بدائع شعره:

إذا ما رأيت الله للكلّ فاعلارأيت جميع الكائنات ملاحا
وإن لا ترى إلا مضاهي صنعهحجبت فصيّرت المساء صباحا

ومن محاسنه أيضا أنه صلّى شخص إلى جانبه ذات يوم فخفّف جدا، فنهاه فقال: أنا حنفيّ، فقال الفارضي:

معاشر النّاس جمعا حسبما رسمتأهل الهدى والحجا من كل من نبها
ما حرّم العلم النّعمان في سنديوما طمأنينة أصلا ولا كرها
وكونها عنده ليست بواجبةلا يوجب التّرك فيما قرّر الفقها
فيا مصرّا على تفويتها أبداعد وانتبه رحم الله الذي انتبها

انتهى ملخصا.

وأخذ عن الفارضي كثير من الأجلاء، منهم العلّامة شمس الدّين محمد

المقدسي العلمي، مدرّس القصّاعية بدمشق، وأنشد له، وذكر أن القاضي البيضاوي خطّأ من أدغم الراء في اللام ونسبه إلى أبي عمرو:

أنكر بعض الورى على منتدغم في اللام عنه راء
ولا نخطّي أبا شعيبوالله يغفر لمن يشاء

وله:

ألا خذ حكمة منيوخلّ القيل والقالا
فساد الدّين والدّنياقبول الحاكم المالا

وقال يرثي الشيخ مغوش التونسي لما مات بمصر:

تقضّى التونسيّ فقلت بيتايروّح كل ذي شجن ويؤنس
أتوحشنا وتؤنس بطن لحدولكن مثل ما أوحشت تونس

وفيها- تقريبا أيضا- قال في «الكواكب» ما لفظه: محمد بن عبد الله بن علي الشيخ العلّامة الشّنشوري المصري الشافعي.

مولده- تقريبا- سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، وأخذ عن الجلال السيوطي، والقاضي زكريا، والدّيمي، والقلقشندي، والسّعد الذهبيّ، والكمال الطّويل، والنور المحلّي، وله مؤلفات في الفرائض وغيرها، وأجاز ابن كسباي في ربيع الثاني سنة ثمانين وتسعمائة. انتهى بحروفه وقال ولده الشيخ عبد الله شارح «الترتيب» في إجازة ذكر فيها مشايخه:

ومن مشايخي الشيخ العلّامة والدي الشيخ بهاء الدّين محمد بن الشيخ الصّالح عبد الله بن الشيخ المسلّك نور الدّين علي الشّنشوري الشافعي.

وتوفي والدي سابع عشر الحجّة الحرام سنة ثلاث وثمانين وتسعمائة، وله من العمر تسع وتسعون سنة. انتهى ومن خطّه نقلت.

وفيها المولى علي بن عبد العزيز، المشتهر بأم ولد زاده.

قال في «العقد المنظوم»: صار ملازما من المولى محيي الدّين الفناري، وتنقّل في المدارس، وقاسى فقرأ شديدا أيام طلبه، إلى أن ولي قضاء حلب فلم يكمل سنة حتى توفي.

وكان عالما، أديبا، وفاضلا لبيبا، مبرّزا على أقرانه، حائزا قصبات السبق في ميادين العلوم، وله رسائل أنيقة وألفاظ رشيقة.

ومن شعره القصيدة الميمية الطنّانة التي أولها:

أبا لصّدّ تحلو عشرة وتداموفي القلب من نار الغرام ضرام
شربت بذكر العامريّة قهوةفسكري إلى يوم القيام مدام

وهي طويلة انتهى ملخصا.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.