تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة تسعين وتسعمائة

فيها توفي القاضي الشريف حسين المكّي المالكي، الملقب بالكرم لفرط كرمه. قيل كان سماطه في الأعياد ألف صحن صيني.

قال في «النور»: كان من أعيان مكّة وفضلائها وأجوادها ورؤسائها لم يخلّف مثله، ولبعض فضلاء مكّة هذا التخميس على البيتين المشهورين جعله رثاء فيه:

لهفي على بدر الوجود وسعدهومغيبه تحت الثّرى في لحده
مات الحسين المالكيّ بمجدهيا دهر بع رتب العلا من بعده
بيع الهوان ربحت أم لم تربحوافعل مرادك يا زمان كما ترى
وارفع من الغوغا وحطّ ذوي الذرىلا تعتذر لذوي النّهى عمّا جرى
قدّم وأخّر من أردت من الورىمات الذي قد كنت منه تستحي

ومن شعره هو وقد أهدى إليه القطب الحنفي سمكا:

يا أيّها القطب الذيبوجوده دار الفلك
لو لم تكن بحر النّدىما جاءنا منك السّمك

وولي قضاء المدينة المنورة مدة طويلة، مع حسن السيرة.

وتوفي في تاسع صفر.

وفيها قطب الدّين محمد بن علاء الدّين أحمد بن محمد بن قاضي خان بن بهاء الدّين بن يعقوب بن حسن بن علي النّهرواني الهندي ثم المكّي الحنفي الإمام العلّامة.

ولد سنة سبع عشرة وتسعمائة، وأخذ عن والده، والشيخ عبد الحقّ السنباطي، وهو أجلّ من أخذ عنه من المحدّثين، والشيخ محمد التونسي، والشيخ ناصر اللقاني، والشيخ أحمد بن يونس بن الشّلبي، وغيرهم.

وذكره ابن الحنبلي في «تاريخه» إلا أنه سمّى والده عليا والصحيح الأول، وأثنى عليه ثناء حسنا.

قال ومن مؤلفاته «طبقات الحنفية» احترقت في جملة كتبه.

وقال النجم الغزّي: وقفت له على «تاريخ» كتبه لمكّة المشرّفة.

وكان بارعا مفنّنا في الفقه، والتفسير، والعربية، ونظم الشعر، وشعره في غاية الرّقة، منه الزائية المشهورة، وهي:

أقبل كالغصن حين يهتزفي حلل دون لطفها الخز
مهفهف القدّ ذو محيّابعارض الخدّ قد تطرز
دار بخدّيه واو صدغوالصّاد من لحظه تلوّز
الخمر والجمر في لماهوخدّه ظاهر وملغز
يشكو له الخصر جور ردفأثقله حمله وأعجز
طلبت منه شفاء سقميفقال لحظي لذاك أعوز
قد غفر الله ذنب دهرلمثل هذا المليح أبرز
حزّ فؤادي بسيف لحظأوّاه لو دام ذلك الحز
أفديه من أغيد مليحبالحسن في عصره تميّز
كان نديمي فمذ رآنيأسيره في الهوى تعزّز
يا قطب لا تسل عن هواهوأثبت وكن في هواه مركز

وقال في «النور»: ومن شعره:

الدّن لي والكأس والقرقفوللفقيه الكتب والمصحف
إن كان ما تعجبه قسمتيفليقتسمها مثل ما يعرف
لا تنكروا حالي ولا حالهكلّ بما ينفعه أعرف
لكنه ينكر أذواقناوما له ذوق ولا ينصف
كم يزدري الرّاح وشرّابهاأخشى على هذا الفتى يقصف
دعني وحالي يا فقيه الورىفأنت عن إدراكه تكسف
هيهات أن يدرك طعم الهوىمن لم يكن في ذوقه يلطف
للعشق سرّ لم يزل غامضالغير أهل الحبّ لا يكشف
فيا نديمي اشرب على رغمهودعه في إنكاره يرشف
واحبسه في باب الطّهارات منكتابه لعله ينظف
وبي غزال طاب مرعاه فيكناس قلبي وهو لا يألف
بدر كمال لا يرى حسنهنقصا ولا محقا ولا يكسف
في خدّه أنبت ماء الحياوردا بغير اللحظ لا يقطف
عارضه لام وفي صدغهواو ولكن آه لو يعطف
عزيز مصر الحسن لو كان فيزمانه هام به يوسف

ومنه معمّى في عليّ:

بلّغ حبيبي بعض ماألقاه إن أبصرته
أمّا عذولي قل لهدع عنك ما أضمرته

ومنه معمّى في أحمد:

لنا إن دارت الكأس العقاربأطراف الرّماح دم مدار

ومنه إفاداته أن لفظ ابن خلّكان ضبط على صورة الفعلين «خلّ» أمر من التخلية و «كان» الناقصة. قال: وسببه أنه كان يكثر قول كان والدي كذا، كان جدّي كذا، كان فلان كذا، فقيل له (خلّ كان) فغلبت عليه. انتهى.

وتوفي- رحمه الله تعالى- بمكّة المشرّفة.

وفيها الشريف أبو نمي محمد بن بركات صاحب مكّة.

قال في «النور»: ولبعض فضلاء مكة في تاريخ وفاته:

يا من به طبنا وطاب الوجودقد كنت بدرا في سماء السّعود
ما صرت في التّرب ولكنماأسكنك الله جنان الخلود

ولد سنة عشر وتسعمائة.

وتوفي يوم عاشوراء. انتهى وفيها المولى محمد بن نور الله المشتهر بأخي زاده نسبة إلى جدّه من قبل أمه المولى أخي يوسف التّوقاتي، محشّي «صدر الشريعة».

قال في «العقد المنظوم»: نشأ صاحب الترجمة في طلب العلم والسيادة، وأخذ عن جلّة من المشايخ، منهم عرب چلبي، والمولى عبد الباقي، ثم صار ملازما من المولى خير الدّين معلّم السلطان سليمان، ثم قلّد المدارس، إلى أن قلّد قضاء حلب، ثم برسة، ثم أدرنة، ثم صار قاضيا بالعساكر في ولاية أناضولي، ثم تقاعد بوظيفة مثله، ثم قلّد تدريس دار الحديث السليمانية، فدام على الدرس والإفادة، ونشر العلوم والمعارف إلى الوفاة.

وكان بحرا من بحار العلوم زاخرا، وطودا من أطواد الفهوم باذخا، يقذف للقريب من جواهر معارفه عجائب، ويبعث للغريب من طماطم فضائله سحائب، طالما فتح بمفاتيح أنظاره الدقيقة مغالق المعضلات، وحلّ بخاطره اليقظان، وفكره العجيب الشأن عقد المشكلات عديم النظير في سرعة الانتقال، وحسن التقرير، وصاحب أدب وسكينة ومعارف رصينة، أنظر أهل زمانه وفارس ميدانه.

وتوفي في آخر ذي القعدة. انتهى ملخصا وفيها الشيخ العارف بالله تعالى شيخ بن عبد الله بن شيخ بن عبد الله العيدروس اليمني الشافعي.

قال ولده في «النور السافر في أعيان القرن العاشر»: ولد سنة تسع عشرة وتسعمائة بتريم من اليمن، وروى عن جلّة مشايخ اليمن، وصار شيخ زمانه باتفاق عارفي وقته، ولقد ألهم الله أهله حيث سمّوه شيخا كما ألهم الله آل النّبي ﷺ حيث سمّوه محمدا.

وكان علّامة وقته وشيخ الطريقة حقيقة واسما، فإن الشيخ أبا بكر باعلوى كان يقول: ما أحد من آل باعلوى أولهم وآخرهم أعطي مثله.

وقال غيره: والله ما هو إلّا آية من آيات الله تعالى، وما ألّف مثل كتابه «الفوز والبشرى».

وحكى من مجاهداته أنه كان يعتمر غالبا في رمضان أربع عمرات بالليل وأربعا بالنهار، وهذا شيء من أعظم الكرامات.

قال: وممن أخذ عنه العلم ابن حجر الهيتمي، والعلّامة عبد الله باقشير الحضرمي، وله من كل منهما إجازة في جماعة آخرين يكثر عددهم.

ومن مصنّفاته «العقد النبوي والسر المصطفوي» و «الفوز والبشرى» وشرحان على قصيدته المسماة «تحفة المريد» و «مولدان» كبير وصغير، و «معراج» و «رسالة في العدل» و «ورد» سمّاه «الحزب النّفيس» و «نفحات الحكم على لامية العجم» وهو على لسان التصوف ولم يكمله، وديوان شعر.

ومن شعره:

كفاني أن أزهو بجدّ ووالدولي حسب من فوق هام الفراقد
ولي نسب بالمصطفى وابن بنتهحسين عليّ زين زاكي المحامد
أبا وأبا من سيّد الرّسل هكذاإلى العيدروس المجتبى خير ما جد
وراثة خير الخلق أحمد جدّناونحن به نعلو العلا في المعاقد
ورثنا العلا أكرم بنا خير سادةشذا مجدنا يشذوا بطيب المحامد

وقد أفرد ترجمته ومناقبه غير واحد بالتأليف، كالعلامة حميد بن عبد الله السّندي، وقال فيه الفاضل عبد اللطيف الدّبيري:

شيخ الأنام مفيد كلّ محقّقبحر العلوم العارف الرّبّاني
ابن العفيف أبو الشّهاب المجتبىقطب الزّمان العيدروس الثاني
شرف السّيادة والزّهادة والتّقيفخر الحماة الغرّ من عدنان
هو كالسّفينة من تولّاه نجاوسواه لم يأمن من الطّوفان

دخل الهند سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، فأقام بها إلى أن توفي بأحمد أباد ليلة السبت بخمس وعشرين خلت من شهر رمضان. انتهى ما أورده ولده ملخصا.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.