من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)
سنة ألف
فيها توفي شهاب الدّين أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن يوسف بن حسين بن يوسف بن موسى الحصكفي الأصل الحلبي المولد والدار، الشافعي، المعروف بابن المنلا جدّه لأبيه.
كان قاضي قضاة تبريز، شهرته منلا جامي شرح المحرر، وجدّه لأمّه الشرفي يحيى أجا بن أجا.
قال في «الكواكب»: مولده سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، ونشأ في كنف أبيه، واشتغل بالعلم، فقرأ على ابن الحنبلي في «مغني اللبيب» فما دونه من كتب النحو، وفي «شرح المفتاح»، والمنطق، والقراآت، والحديث، وفي مؤلفاته.
وصحب سيدي محمد بن الشيخ علوان وهو بحلب سنة أربع وخمسين، وسمع منه نحو الثلث من البخاري، وحضر مواعيده، وسمع المسلسل بالأولية من البرهان العمادي، وأجاز له، وقرأ بالتجويد على الشيخ إبراهيم الضّرير الدمشقي نزيل حلب كثيرا، وأجاز له، وذلك في سنة ست وخمسين، ورحل إلى دمشق رحلتين، وأخذ بها عن شيخ الإسلام الوالد، وحضر دروسه بالشامية، وبحث فيها بحوثا حسنة مفيدة أبان فيها عن يد في الفنون طولى، وكلما انتقل من مسألة إلى غيرها تلا لسان حاله وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ من الْأُولى كما شهد
بذلك الوالد في إجازته له وقرأ على النّور السّنفي قطعة من «البخاري» و «مسلم» وحضر عنده دروسا من المحلّي و «شرح) البهجة»، وأجاز له، وقرأ بها شرح منلا زاده على «هداية الحكمة» وعلى محب الدّين التبريزي، مع سماعه عليه في التفسير، وقرأ قطعتين صالحتين من «المطوّل» و «الأصفهاني» على الشيخ أبي الفتح الشّبستري، ورحل إلى القسطنطينية سنة ثمان وخمسين، فأخذ «رسالة الأسطرلاب» عن نزيلها الشيخ غرس الدّين الحلبي، واجتمع بالفاضل المحقّق السيد عبد الرحيم العبّاسي، واستجاز منه رواية «البخاري» فأجاز له فمدحه بقوله:
لك الشّرف العالي على قادة النّاسولم لا وأنت الصّدر من آل عبّاس
حويت علوما أنت فيها مقدّموفي نشرها أضيحت ذا قدم راس
وفقت بني الآداب قدرا ورتبةوسدتهم بالجود والفضل والباس
فيا بدر أفق الفضل يا زاهر السّناويا عالم الدّنيا ويا أوحد الناس
إلى بابك العالي أتاك ميمماكليم بعضب عدت أنت له آس
فتى عاري الآداب بادي الحجا فماسواك لعار عن سنى الفضل من كاس
فأقبسه من مشكاة نورك جذوةوعلّله من ورد الفضائل بالكأس
وسامحه في تقصيره ومديحهفمدحك بحر فيه من كل أجناس
فلا زلت محمود المآثر حاوي المفاخر مخصوصا بأطيب أنفاس
مدى الدّهر ما احمرّت خدود شقائقوما قام غصن الورد في خدمة الآس
ودرّس وأفاد، وصنّف وأجاد، وله شرح على «المغني» جمع فيه بين حاشيتي الدّماميني والشّمنّي، وشرح شواهده للسيوطي، وكتب ونظم الشعر الحسن.
فمن شعره في مليح لابس أسود:
ماس في أسود اللباس حبيبيورمى القلب في ضرام بعاده
لم يمس في السواد يوما ولكنحلّ في الطّرف فاكتسى من سواده
وتوفي سنة ألف، قتله اللصوص في بعض قراه، رحمه الله تعالى، ثم تحرر لي من خطّ العلّامة الشيخ عمر العرضي أنه مات في سنة ثلاث وألف. انتهى.
وفيها بدر الدّين حسين بن عمر بن محمد النّصيبي الشافعي.
أخذ النحو والصّرف عن العلاء الموصلي، والفقه عن البرهان التسيلي، والبرهان العمادي، والشّمس الخناجري، والنحو وغيره عن الشّهاب الهندي، وعن منلا موسى بن عوض الكردي، والشيخ محمد المعرّي، الشهير بابن المرقي.
ورحل إلى حماة، فدخل في مريدي الشيخ علوان، وزوّجه الشيخ ابنته.
وكان إماما، عالما، شاعرا، مطبوعا، له مساجلات، مع ابن المنلا. وكان بينهما غاية الاتحاد والمحبّة.
وفيها سراج الدّين عمر بن عبد الله العيدروس الشريف الحسيب اليمني الشافعي الإمام العالم.
قال في «النور»: كان من العلماء العاملين والمشايخ العارفين، وكان عيدروسيا من الأب والأم، الشيخ عبد الله العيدروس جدّه من الطرفين، وتصدّر بمكّة المشرّفة سنة ثمان وسبعين وتسعمائة، فقام بالمقام أتمّ قيام، ومشى على طريق السّلف الصالح.
وتوفي بعدن في المحرّم ودفن بها في قبّة جدّه لأمّه الشيخ أبي بكر العيدروس.
وفيها جمال الدّين محمد بن علي الحشيبريّ الشيخ الكبير.
قال في «النور»: كان من المشايخ المشهورين، ورزق القبول في حركاته وسكناته، وحصلت له شهرة عظيمة، ورويت عنه كرامات، ولا يقدح في جلالته ذمّ بعض العلماء له، وتنقيصهم إيّاه بحسب ما يظهر لهم من أموره، من غير نظر إلى خصوصيته، فقد قيل: المعاصر لا يناصر، ولا زالت الأكابر على هذا وفيما يقع له من التخريفات والشّطحات له أسوة بغيره من الصوفية، كما أن للمنكرين أسوة بغيرهم من العلماء، وحمل ما يصدر منه من الأحوال الغريبة على أحسن المحامل أولى، فإن بني حشيبر أهل صلاح وولاية، وخرقتهم تعود إلى أبي الغيث بن جميل اليمني.
وتوفي المترجم ليلة الأحد سابع عشر ربيع الثاني بأحمدآباد. انتهى، والله أعلم.
قال مؤلّفه شيخنا أمتع الله به وأطال بقاءه ونفع به المسلمين: وهذا آخر ما أردنا جمعه من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» وقد بذلت في تهذيبه وتنقيحه وسعي، وسهرت لأجله ليالي من عمري، ونقّحت عبارات رأيت ناقليها انحرفوا فيها عن نهج الصواب، إما لغلط، أو سبق قلم، أو تحامل على مترجم، ونحو ذلك، وتحريت ما صحّ نقله، وربما لم أعز ما أنقله إلى كتاب لظهور ما أثبتّه ولطلب الاختصار، وأنا أرجو من الله تعالى أن ييسر لي عمل ذيل لأهل القرن الحادي عشر بمنّه وكرمه.
قال مؤلّفه فسح الله في مدته وأعاد علي وعلى المسلمين من بركته وبركة علومه في الدنيا والآخرة: وكان الفراغ منه في يوم الاثنين تاسع عشر شهر رمضان المعظّم من شهور سنة ثمانين وألف، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وعلى آله على يد جامعه أفقر العباد أبي الفلاح عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد، غفر الله له ولمن ستر عيبا رآه وأصلح فيه خللا أبصرته عيناه، آمين، والحمد لله ربّ العالمين.
وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة الشريفة صبيحة يوم الجمعة رابع عشر شهر شوال من شهور سنة خمس وثمانين وألف، على يد أحقر العباد الفقير إلى الله تعالى شعبان بن عبد الله بن يوسف بن علي الشافعي الخزرجي، غفر الله له ولوالديه ولمن دعا له بالمغفرة آمين.
ونقلت هذه النسخة المباركة من خطّ مؤلّفها بلّغه الله مناه، وجعل الجنة جزاه، وهي ثالث نسخة تمت فلله الحمد والمنة.
وصلّى الله على من لا نبي بعده، وصلى الله على آله وأصحابه وتابعيه وأجزى به وسلّم تسليما كثيرا.
النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع