تجاوز إلى المحتوى

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب» لابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ)

سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة

فيها توفي الشيخ تقي الدّين أبو بكر بن محمد الحمّامي والده، الصّهيوني الشافعي الإمام العلّامة.

قال في «الكواكب»: قرأ على الشيخ شهاب الدّين الطّيبي في القراآت وغيرها، وعلى الشيخ شهاب الدّين أخي في الحساب وغيره، وكان يعتمد علم الحرف ويعمل الأوفاق، اعتقده الحكّام بسبب ذلك، وعاش فقيرا ثم أثرى في آخر عمره، فقال لبعض أصحابه: حيث وسّعت علينا الدنيا فالأجل قريب، فمات عن قرب.

ومن كلامه: ليس في التردد إلى من ليس فيه كبير فائدة كبير فائدة.

وله نظم لطيف منه:

أضنى الجوانح بالهوى ولهيبهبدر تزايد في الهوى ولهي به
وجوانحي جنحت إلى ذاك الذيشغل الفؤاد بحبّه ولهيبه
وعلى هواه مقلتي سحّت وماشحّت بفيض مدامعي وصبيبه
فإذا أصبت أذى بأوصاف الهوىلا تنكروا بحياتكم وصبي به
للَّه صبّ ما تذكّر للهوىإلا وهام بذكره وصبي به

ذكر الشيخ حسن البوريني أنه ذاكرا أبابكر الصّهيوني فوجده فاضلا في علوم إلّا أنه اشتهر بعلم النجوم. انتهى ملخصا.

وفيها الشيخ إسماعيل بن أحمد بن الحاج إبراهيم النّابلسي الشافعي.

قال في «الكواكب»: هو شيخ الإسلام ومفتي الأنام، أستاذ العصر، ومفرد الوقت، تصدّر للإفتاء والتدريس، وصار إليه المرجع بعد شيخ الإسلام الوالد.

مولده كما وجدته بخطّ المنلا أسد، سنة سبع وثلاثين وتسعمائة.

واشتغل على جماعة من أهل العلم في النحو والصّرف، وحفظ القرآن العظيم، و «ألفية ابن مالك» ثم لازم الشيخ أبا الفتح الشّيشري هو وصاحبه الشيخ عماد الدّين الحنفي، ثم لزم العلّامة الشيخ علاء الدّين بن عماد الدّين في المعقولات وغيرها، وأخذ عن شيخ الإقراء الشيخ شهاب الدّين الطّيبي، وقرأ «المنهاج» على العلّامة الفقيه السّنفي، ودرّس بالجامع الأموي، ثم بدار الحديث الأشرفية، وبالشامية البرّانية عن الشّهاب الفلوجي، ودرّس بالدرويشية بشرط واقفها، وضم إليها تدريس العادلية الكبرى، وكانت دروسه حافلة، لصفاء ذهنه وطلاقة لسانه، وحسن تقريره.

وله شعر منه قوله محاجيا في عاقر قرحا:

مولاي يا خير مولىويا سليم القريحه
ما مثل قول المحاجييوما عجوز قريحه

وأجاب عن قول بعضهم:

يا أيّها النّحوي ما اسم قد حوىمن مانعات الصّرف خمس موانع
وتزول من تلك الموانع علّةفيصير مصروفا بغير منازع

بقوله:

يا أكمل الفضلاء يا من قد غدافي فضله فردا بغير مدافع
في أذربيجان لقد ألغزت إذشنّفت باللّغز البديع مسامعي

توفي- رحمه الله تعالى- يوم السبت ثالث عشر المحرم، ودفن بمقبرته التي أنشأها شمالي مقبرة باب الصغير بالقرب من جامع جرّاح.

وفيها رحمة الله بن عبد الله السّندي الحنفي، نزيل المدينة المشرّفة.

قال في «النور»: كان من العلماء العاملين وعباد الله الصّالحين.

وتوفي في مكة في ثامن عشر المحرّم.

وكان له أخ اسمه حميد، وكان أيضا من أهل العلم والصّلاح، حسن الأخلاق، كثير التواضع، ظاهر الفضل، جليل القدر، وحصل له في آخر الأمر جاه عظيم، وجاور بها تسع سنين، ومات بها أيضا. انتهى.

وممن أخذ عنه النّجم الغيطي.

وممن أخذ عن الشيخ حميد الشيخ محمد علي ابن الشيخ محمد علّان المكّي الشافعي الصّديقي، الشهير بابن علّان شيخ شيخنا السيد محمد بن سيد حمزة الحسيني نقيب السّادة الأشراف بدمشق.

وفيها شمس الدّين محمد بن محمد بن محمد بن أبي اللطف المقدسي الشافعي المتقدّم ذكر والده في سنة إحدى وسبعين وتسعمائة.

ولد صاحب الترجمة سنة أربعين وتسعمائة، وبرع وهو شاب، وفضل، وتقدم على من هو أسنّ منه، حتى على أخويه، وصار مفتي القدس الشريف على مذهب الإمام الشافعي.

وكان له يد طولى في العربية والمعقولات، وله شعر منه قوله مقيدا لأسماء النّوم بالنهار وما في كل نوع منها:

النّوم بعد صلاة الصّبح غيلولهفقر وعند الضّحى فالنّوم فيلوله
وهو الفتور وقبل الميل قيل لهإذ زاد في العقل أي بالقاف قيلوله
والنّوم بعد زوال بين فاعلهوبين فرض صلاة كان ميلوله
وبعد عصر هلاكا مورثا وكذاكقلّة العقل بالإهمال عيلوله

وكان إماما، علّامة.

وتوفي- رحمه الله تعالى- بالقدس الشريف في أواخر صفر.

وفيها الأستاذ الأعظم شمس الدّين محمد بن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن عوض بن عبد الخالق بن عبد المنعم بن يحيى بن يعقوب بن نجم الدّين بن عيسى بن داود بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصّدّيق، ﵁، البكري الصّدّيقيّ الشّافعي الأشعريّ المصري.

قال في «النور»: أخذ عن والده، والقاضي زكريا، وغيرهما. وكان من آيات الله في الدرس والإملاء، يتكلم بما يحيّر العقول ويذهل الأفكار، بحيث لا يرتاب سامعه في أن ما يتكلم به ليس من جنس ما ينال بالكسب، وربما كان يتكلّم بكلام لا يفهمه أحد من أهل مجلسه، مع كون كثير منهم أو أكثرهم على الغاية من التمكن في سائر مراتب العلوم، وكان إليه النهاية في العلم، حتّى كان بعض الأجلاء ممن يحضر دروسه يقول: لولا أن باب النّبوة سدّ لاستدلّينا بما نسمعه منه على نبوته.

وأما مجالسه في التفسير وما يقرّره فيها من المعاني الدقيقة والأبحاث الغامضة، مع استيعاب أقوال الأئمة، وذكر المناسبات بين السّور والآيات، وبين أسماء الذّات المقدس والصّفات، وما قاله أئمة الطريق في كل آية من علوم الإشارة، فمما يحيّر العقول ويدهش الخواطر، وجميع ما يلقيه بألفاظ مسجعة معربة موضوع كل لفظ في محلّه الذي لا أولى به.

ولم يحفظ أحد له هفوة في لفظ من ألفاظه من جهة إعراب أو تصريف، أو تقديم، أو تأخير، أو غير ذلك من هفوات الألسن. وما من درس من دروسه إلّا وهو مفتتح بخطبة مشتملة على الإشارة إلى كل ما اشتمل عليه ذلك الدرس على طريق براعة الاستهلال، وهكذا كانت مجالسه في الفقه والحديث، وكل علم يتصدى لتقريره، وله جملة تصانيف، منها «شرح مختصر على أبي شجاع» في الفقه، وكتب أيضا على أوائل «منهج القاضي زكريا» وله رسائل في أنواع من العلوم والمعارف والآداب، كرسالته في الاسم الأعظم، ورسالته في الصّلاة على النّبي ﷺ ورسالته في السّماع، وغير ذلك، وله ديوان شعر كبير منه قوله:

ما أريض مفتّح الأزهاروبهيج مشعشع الأنوار
ولآل منظّمات عقودالغوان عرائس أبكار
وشموس تضيء في أفق السّعد زها ضوؤها على الأقمار
وغصون بأيكها تسجع الورق فتنسي ترنّم الأوتار
مثل قول الإله في حقّ جدّيثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما في الْغارِ

ومنه قصيدته الطويلة التي مطلعها:

ما أرسل الرّحمن أو يرسلمن رحمة تصعد أو تنزل
في ملكوت الله أو ملكهمن كلّ ما يختصّ أو يشمل
للشاعر الورغي، اقرأ القصيدة
إلّا وطه المصطفى عبدهنبيّه مختاره المرسل
واسطة فيها وأصل لهايفهم هذا كلّ من يعقل
للشاعر الورغي، اقرأ القصيدة

ومنه:

إذا خطب ذنب علينا دجاأنرنا دجاه بنور الرّجا
فكم شدّة من ذنوب عظاملها الله بالعفو قد فرّجا
وكم ضقت ذرعا بجرمي فماوجدت سوى العفو لي مخرجا
فلله فالجأ ولا تيأسنفما خاب عبد إليه التجا

ومنه:

انظر إلى الماء الذيبيد النّسيم تجعّدا
قد شبّهوه بمبردفلأجل ذا يبري الصّدا

وكان- ﵁ يحجّ في كل عامين مرّة.

وبالجملة فلم يكن له نظير في زمانه، ولم يخلف مثله.

وتوفي بالقاهرة في ربيع الثاني، وقيل في تاريخ وفاته:

مات من نسل أبي بكر فتىكان في مصر له قدر مكين
قلت لما الدّمع من عيني جرىأرّخوه (مات قطب العارفين

وفيها المولى السيد محمد بن محمد بن عبد القادر أحد موالي الرّوم وابن أحد مواليها السّيد الشريف الحنفي، المعروف بابن معلول.

قال في «الكواكب»: ولي قضاء الشام، وكلّف الناس المبالغة في تعظيمه، وماتت له بنت فصلى عليها شيخ الإسلام الوالد، وعزّاه بالجامع الأموي، ولم يذهب معها، [لأنه حينئذ كان يؤثر العزلة وعدم التردد إلى الحكّام]، فحنق عليه، ثم لما ولي مصر ثم قضاء العسكر وجّه التّقوية عن الوالد للشيخ محمد

الحجازي، المعروف بابن سماقة. ثم باشر قضاء العسكر سبعة عشر يوما، ثم جنّ وأخذ من مجلس الديوان محمولا. وولي قضاء العسكر بعده جوي زاده فأعاد التقوية إلى الشيخ، ثم ولي ابن معلول الإفتاء، ثم عزل عنه سريعا، وأعطي نقابة الأشراف، ومات وهو نقيب عن ثمان وخمسين سنة. انتهى باختصار.

النص من طبعة دار ابن كثير بدمشق (١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شذرات الذهب في أخبار من ذهب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.