تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر ائتلاف الناس واختلافهم

أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاشِعٍ السَّخْتِيَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ النَّرْسِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ

حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سفيان الثوري عن حبيب ابن أَبِي ثَابِتٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه سبب ائتلاف الناس وافتراقهم بعد القضاء السابق هو تعارف الروحين وتناكر الروحين فإذا تعارف الروحان وجدت الألفة بين نفسيهما وإذا تناكر الروحان وجدت الفرقة بين جسميهما

وَلَقَدْ أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مهران حدثنا يوسف ابن يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ رَأَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَجُلا فَقَالَ إِنَّ هَذَا لَيُحِبُّنِي قَالُوا وَمَا عِلْمُكَ قَالَ إِنِّي لأُحِبُّهُ وَالأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تناكر منها اختلف

أنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي أنشدني أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن بكر الأبناوي

إن القلوب لأجناد مجندةلله في الأرض بالأهواء تعترف
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «يا قلب ويحك جد منك ذا الكلف»
فَما تَعارَفَ مِنها فَهوَ مُؤتَلِفٌوَما تَناكَرَ مِنها فَهوَ مُختَلِفُ
للشاعر أبو نواس، من قصيدة «يا قلب ويحك جد منك ذا الكلف»

أنبأنا ابن مكرم بالبصرة حَدَّثَنَا بشر بن الوليد حدثنا الحكم ابن عَبْد الملك عَن قَتَادَة في قول اللَّه تعالى ﴿إِلا مَنْ رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ قال للرحمة والطاعة فأما أهل طاعة اللَّه فقلوبهم وأهواؤهم مجتمعة وإن تفرقت ديارهم وأهل معصية اللَّه قلوبهم مختلفة وإن اجتمعت ديارهم

وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي

فما تبصر العينان والقلب آلفولا القلب والعينان منطبقان
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ولكن هما روحان تعرض ذي لذىفيعرف هذا ذي فيلتقيان
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه إن من أعظم الدلائل على معرفة مَا فيه المرء من تقلبه وسكونه هو الأعتبار بمن يحادثه ويوده لأن المرء على دين خليله وطير السماء على أشكالها تقع

وما رأيت شيئا أدل على شيء ولا الدخان على النار مثل الصاحب على الصاحب وأنشدني الأبرش

.. يقاس المرء بالمرءإذا مَا هو مَا شاه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا تصحب أخا الجهل»
وذو العر إذا احتكذا الصحة أعداه
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «يقاس المرء بالمرء»
وللشيء من الشيءمقاييس وأشباه
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «فلا تصحب أخا الجهل»
وللروح على الروحدليل حين يلقاه

حدثنا أَبُو خَلِيفَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثير العبدي أَنْبَأَنَا سُفْيَان عَن أَبِي إِسْحَاق عَن هبيرة قَالَ اعتبر الناس بأخدانهم

أنبأنا مُحَمَّد بْنُ الْمُهَاجِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ موسى الأخباري حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن صالح العدوي حَدَّثَنَا الحسين بْن جعفر بْن سليمان الضبعي قَالَ سمعت أَبِي يقول سمعت مالكا يقول الناس أشكال كأجناس الطير الحمام مع الحمام والغراب مع الغراب والبط مع البط والصعو مع الصعو وكل إنسان مع شكله

وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري

يزين الفتى في قومه ويشينهوفي غيرهم أخدانه ومداخله
لكل امريء شكل من الناس مثلهوكل امريء يهوى إلى من يشاكله
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «لكل امرئ شكل من الناس مثله»

وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي

إن كنت حلت وبي استبدلت مطرحاودا فلم تأت مكروها ولا بدعا
فكل طير إلى الأشكال موقعهاوالفرع يجري إلى الأعراق منتزعا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه العاقل يجتنب مماشاة المريب في نفسه ويفارق صحبة المتهم في دينه لأن من صحب قوما عرف بهم ومن عاشر أمرأ نسب

إليه والرجل لا يصاحب إلا مثله أو شكله فإذا لم يجد المرء بدا من صحبة الناس تحرى صحبة من زانه إذا صحبه ولم يشنه إذا عرف به وإن رأى منه حسنة عدها وإن رأى منه سيئة سترها وإن سكت عنه ابتدأه وإن سأله أعطاه

فأما اليوم فأكثر أحوال الناس تكون ظواهرها بخلاف بواطنها وما أشبه عشرتهم إلا بما أخبرني مُحَمَّد بْن يعقوب البغلاني حدثني عَبْد الصمد ابن الفضل حَدَّثَنَا الحسين بْن سهل التياس عَن أَبِي عبيدة قَالَ تكلم عصفور في بني إسرائيل مع فخ فقال العصفور انحناؤك لماذا قَالَ من العبادة قَالَ دفنك في التراب لماذا قَالَ من التواضع قَالَ فما هذا الشعر قَالَ هذا لباسي قَالَ مَا هذا الطعام قَالَ هذا أعددته لعابر السبيل قال فتأذن لي فيه قَالَ نعم قَالَ فنقر العصفور نقرة فأخذ بعنقه فجعل العصفور يقول شغ شغ شغ وقال والله لا يغرني قارئ بعدك أبدا

وأنشدني مُحَمَّد بْن أَبِي علي لابن أَبِي اللقيش

إن كنت تبغي العلم أو نحوهأو شاهدا يخبر عَن غائب
فاعتبر الأرض بأسمائهاواعتبر الصاحب بالصاحب

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي

تَعارَفُ أَرواحُ الرِجالِ إِذا اِلتَقَوافَمِنهُم عَدُوٌّ يُتَّقى وَخَليلُ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لهند بحزان الشريف طلول»
كذاك أمور الناس والناس منهمخفيف إذا صاحبته وثقيل

وأنشدني المنتصر بن بلال الأنصاري

اجعل قرينك من رضيت فعالهواحذر مقارنة القرين الشائن
كم من قرين شائن لقرينهومهجن منه لكل محاسن

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه إن من الناس من إذا رآه المرء يعجب به

فإذا ازداد به علما ازاد به عجبا ومنهم من يبغضه حين يراه ثم لا يزداد به علما إلا ازداه له مقتا فاتفاقهما يكون باتفاق الروحين قديما وافتراقهما يكون بافتراقهما وإذا ائتلفا ثم افترقا فراق حياة من غير بغض حادث أو فراق ممات فهنالك الموت الفظيع والأسف الوجيع ولا يكون موقف أطول غمة وأظهر حسرة وأدوم كآبة وأشد تأسفا وأكثر تلهفا من موقف الفراق بين المتواخيين وما ذاق ذائق طعما أمر من فراق الخلين وانصرام القرنين

حدثنا مُحَمَّد بْن يعقوب الخطيب قَالَ سمعت معمر بْن سهل يقول سمعت جعفر بْن عون يقول سمعت مسعر بْن كدام يقول

لن يلبث القرناء أن يتفرقواليل يكر عليهم ونهار

أنبأنا مُحَمَّد بْن المهاجر المعدل حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد بْن حماد البربري حَدَّثَنَا الزبير بْن بكار حدثني مُحَمَّد بْن موسى أَبُو غزية قَالَ كان أَبُو العتاهية إذا قدم المدينة يجلس إلي فأراد مرة الخروج فودعني وقال

إن نعش نجتمع وإلا فماأشغل من مات عن جميع الأنام
للشاعر أبو العتاهية، من قصيدة «شحطت عن ذوي المودات داري»

حدثنا مُحَمَّد بْن أَبِي علي قَالَ أنشدنا مُحَمَّد بْن موسى السمري أنشدنا أَحْمَد بن عبد الأعلى الشيباني

فياعجبا ممن يمد يمينهإلى إلفه عند الفراق فيسرع
ضعفت عَن التوديع لما رأيتهفصافحته بالقلب والعين تدمع

وأنشدني ابن فياض للبحتري

الله جارك في انطلاقكتلقاه شامك أو عراقك
للشاعر البحتري، من قصيدة «الله جارك في انطلاقك»
لا تعذلني في مسيريحيث سرت ولم ألاقك
إني خشيت مواقفاللبين تفسح غرب ماقك
للشاعر البحتري، من قصيدة «الله جارك في انطلاقك»
.. وعلمت مَا يخشى المودععند ضمك واعتناقك
فَتَرَكْتُ ذاكَ تَعَمّداً،وَخَرَجْتُ أهْرُبُ مِنْ فِرَاقِكْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألله جَارُكَ في انْطِلاقِكْ»

وأنشدني منصور بْن مُحَمَّد الكريزي

أفي كل يوم حية البين تقرعوعيني لبين من ذوي الود تدمع
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
فلا النفس من تهيامها مستفيقةولا بالذي يأتي به الدهر تقنع

وأنشدني مُحَمَّد بْن بندار بْن أصرم

أيا قلب لا تجزع من البين واصطبرفليس لما يقضى عليك بدافع
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أيا قلب لا تجزع من البين واصطبر»
توكل على الرحمن إن كنت مؤمنايجرك ودعني من نحوس الطوالع
وكل الذي قد قدر اللَّه واقعوما لم يقدره فليس بواقع

وأنشدني عَبْد الرحمن بْن يَحْيَى بْن حبيب الأندلسي لنفسه

نطقت مدامعه بما في قلبهوعن الجواب لسانه لا ينطق
فكأنه مما يقاسي قلبهدنف مريض أو أسير موثق
وكأنما الأشجان في أحشائهلفراق أهل الود نار تحرق
كيف السلو وهل له من سلوةمن بان عَن أحبابه يتفرق

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه السبب المؤدي إلى إظهار الجزع عند فراق المتواخين هو ترك الرضا بما يوجب القضاء ثم ورود الشيء على مضمر الحشا بعدما انطوى عَلَيْهِ قديما فمن وطن نفسه في ابتداء المعاشرة على ورود ضد الجميل عليها من صحبته وتأمل ورود المكروه منه على غفلته لا يظهر الجزع عند الفراق ولا يشكو الأسف والاحتراق إلا بمقدار مَا يوجب العلم إظهاره

ولقد أولع بجماعه الفراق حتى إنهم خرجوا إلى ثلب الطيور ومدح الدمن وتأولوا لعن نوح عليه السلام الغراب

أنبأنا جعفر بْن أَحْمَد بْن سنان القطان بواسط حَدَّثَنَا عمرو بْن مُحَمَّد بْن عيسى الضبعي حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأعلى حَدَّثَنَا الجريري عَن أَبِي السليل عن أبي مراوح قَالَ بعث نوح الغراب والحمامة حيث استقرت السفينة على الجودي يلتمسان له الجد يعني الأرض فأما الغراب فرأى جيفة فوقع عليها فأكل منها وأما الحمامة فجاءت عاضة على غصن شجرة بطين أحمر قَالَ فدعا للحمامة بالبركة وأما الغراب فلعنه وقال له قولا شديدا

أنبأنا مُحَمَّد بْن جعفر بْن الحسن البغدادي حدثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الحسين البغوي قَالَ قَالَ سليم بن منصور أمرت لبنى فاشتري لها أربعة غربان فلما رأتهن صرخت وبكت وكتفتهن وجعلت تضربهن بالسوط حتى قتلتهن جميعا وأنشأت تقول

لقد نادى الغراب ببين لبنىفطار القلب من حذر الغراب
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لقد نادى الغراب ببين لبنى»
وقال غدا تباين دار لبنىوتنأى بعد ود واقتراب
فقلت تعست ويحك من غرابأكل الدهر سعيك في تباب
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «لقد نادى الغراب ببين لبنى»
لقد أولعت لا لقيت خيرابتفريق المحب عَن الحباب

وأنشدني إبراهيم بن على الطرفي قَالَ أنشدني علي بْن إِسْحَاق

غراب البين ويحك صح بقربكما قد صحت ويحك بالبعاد
تنادي بالتفرق كل يومفمالك بالتواصل لا تنادي
أراني اللَّه ريشك عَن قريبتمرطه البزاة بكل وادي
كما أسخنت يوم البين عينيوألقيت الحزازة في فؤادي

أنبأنا إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بن يعقوب بهمذان حَدَّثَنَا عَبْد الكبير بْن مُحَمَّد الأنسي حَدَّثَنَا بعض أصحابنا قَالَ مررت بالبصرة على باب دار فإذا

بصوت غراب يجلد فدنوت من الدار فإذا صاحبة الدار وبين يديها جوار وهي تأمر بجلده فقلت أما تتقون اللَّه في هذا الغراب فقلن لي هذا الغراب الذي قيل فيه

ألا يا غراب البين قد طرت بالذيأحاذر من لبنى فهل أنت واقع
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «عفا سرف من أهله فسراوع»

فقلت ليس هذا ذاك الغراب فقالت والله ما نراك تأخذ البريء بالسقيم حتى تظفر بذلك الغراب قال أَبُو حاتم رضي الله عنه قد ذكرت مَا شاكل هذه الحكايات والأشعار على التقصي في كتاب الوداع والفراق فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب إذ شرطنا فيه الإشارة إلى الشيء المحصول والإيماء إلى الشيء المقول

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.