من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)
ذكر الحث على مجانبة الحرص للعاقل
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ رحمه الله حَدَّثَنَا بشر بن معاذ العقد حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ وَالْحَسَدُ
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه ركب اللَّه جل وعز في البشر الحرص والرغبة في الدنيا الفانية لئلا تخرب إذ هي دار الأبرار ومكسب الأتقياء وموضع زاد المؤمنين واستجلاب الميرة للصالحين ولو تعرى الناس عَن الحرص فيها بطلت وخربت فلم يجد المرء مَا يستعين به على أداء فرائض اللَّه فضلا عَن اكتساب مَا يجدي عَلَيْهِ النفع في الآخرة نفلا والإفراط في الحرص مذموم كما أنشدني علي بْن محمد البسامي
ليس عندي إلا الرضا بقضاء اللَّهفيما أحببته أو كرهته
لو إلى الأمور أختار منهاخيرها لي عواقبا مَا عرفته
ولو أني حرصت جهدي أن أدفعأمرا مقدار مَا دفعته
فأرى أن أرد ذاك إلى منعنده علم كل مَا قد جهلته
وأنشدني مُحَمَّد بْن نصر المديني
يا كثير الحرص مشغولابدنيا ليس تبقى
مارأيت الحرص أدنىمن حريص قط رزقا
لا ولكن في قضاء اللهأن يعيا ويشقى
تعرف الحق ولكنلا ترى للحق حقا
أنبأنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن سَعِيد القيسي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الوليد بْن أبان حَدَّثَنَا نعيم بْن حماد عَن ابن المبارك قال سخاء الناس عما في أيدي الناس أكثر من
سخاء البذل ومروءة القناعة أكثر من مروءة الإعطاء
أنشدنا أَبُو يعلى قَالَ أنشدونا منذ دهر للشافعي
قدر اللَّه واقعحيث يقضى وروده
قد مضى فيك حكمهوانقضى مَا يريده
وأخو الحرص حرصهليس مما يزيده
فأرد مَا يكون إذلم يكن مَا تريده
أنبأنا عَبْد اللَّه بْن عروة حَدَّثَنَا يعقوب الدورقي حَدَّثَنَا ابن علية عَن أيوب عَن ابن سيرين قَالَ إذا لم يكون مَا تريد فأرد مَا يكون
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه أغنى الأغنياء من لم يكن للحرص أسيرا وأفقر الفقراء من كان الحرص عَلَيْهِ أميرا لأن الحرص سبب لإضاعة الموجود عَن مواضعه والحرص محرمة كما أن الجبن مقتلة ولو لم يكن في الحرص خصلة تذم إلا طول المناقشة بالحساب في القيامة على مَا جمع لكان الواجب على العاقل ترك الإفراط في الحرص وقد كان بعض أصحابنا كثيرا ما ينشد
تجانب الحرص ودع عنك الحسدففيهما الذل وإتعاب الجسد
وأنشدني الكريزي
وأرقني طول التفكر إننيعجبت لدهر مَا تقضى عجائبه
فكم عاجز يدعى جليدا لغشمهولو كلف التقوى لكلت مضاربه
وعف يسمى عاجزا لعفافهولولا التقى مَا أعجزته مذاهبه
فليس بحرص المرء أدركه الغنىولا باحتيال أدرك المال كاسبه
ولكنه قبض الإله وبسطهفلا ذا يجاريه ولا ذا يغالبه
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الحرص غير زائد في الرزق وأهون مَا يعاقب الحريص بحرصه أن يمنع الاستمتاع بما عنده من محصوله فيتعب في طلب
ما لا يدري أيلحقه أم يحول الموت بينه وبينه ولو لزم الحريص ترك الإفراط فيه واتكل على خالق السماء لأتحفه المولى جل وعز بإدراك مَا لا يسعى فيه والظفر بما لو سعى فيه وهو حريص عسى لتعذر عَلَيْهِ وجوده
وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي
ألا رب باغ حاجة لا ينالهاوآخر قد تقضى له وهو آيس
يحاولها هذا وتقضى لغيرهوتأتي الذي تقضى له وهو جالس
وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش
وكم من أكلة منعت أخاهابلذة ساعة أكلات دهر
وكم من طالب يسعى لشيءوفيه هلاكه لو كان يدري
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الحرص علامة الفقر كما أن البخل جلباب المسكنة والبخل لقاح الحرص كما أن الحمية لقاح الجهل والمنع أخو الحرص كما أن الأنفة توأم السفه وأنشدني عمر بْن مُحَمَّد قَالَ أنشدني الغلابي
لا تأتين نذالة لمنالةفليأتينك رزقك المقدور
واعلم بأنك آخذ كل الذيلك في الكتاب محبر مسطور
والله ما زاد امرءا في رزقهحرص ولا أزرى به التقصير
وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي
وارض من العيش في الدنيا بأيسرهولا ترومن مَا إن رمته صعبا
إن الغني هو الراضي بعيشتهلا من يظل على مَا فات مكتئبا
أنبأنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يَحْيَى بْن حميد الطويل حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد الرحمن العتبي حدثني أَبِي قَالَ اختصمت بنو إسرائيل في القدر خمسمائة عام ثم تحاكموا إلى عالم من علمائهم فقالوا له أَخْبَرَنَا عَن القدر وقصر وبين لتفهمه عنك العوام فقال حرمان عاقل وحظ جاهل
قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لاحظ في الراحة لمن أطاع الحرص إذ الحرص
سائق البلايا فالواجب على العاقل أن لا يكون بالمفرط في الحرص في الدنيا فيكون مذموما في الدارين بل يكون قصده لإقامة فرائض اللَّه ويكون لبغيته نهاية يرجع إليها لأن من لم يكن لقصده منها نهاية آذى نفسه وأتعب بدنه فمن كان بهذا النعت فهو من الحرص الذي يحمد
وأنشدني المنتصر بْن بلال الأنصاري
الحرص عون للزمان على الفتىوالصبر نعم القرن للأزمان
لا تَخضَعَنَّ فَإِنَّ دَهرَكَ إِن رَأىمِنكَ الخُضوعَ أَمَدَّهُ بِهَوانِ
وَإِذا رَآكَ وَقَد قَصَدتَ لِصَرفِهِبِالصَبرِ لاقى الصَبرَ بِالإِذعانِ
وأنشدني منصور بْن محمد الكريزي حدثني شعيب بْن أَحْمَد لأبي العتاهية
لا تَخضَعَنَّ لِمَخلوقٍ عَلى طَمَعٍفَإِنَّ ذاكَ مُضِرٌّ مِنكَ بِالدينِ
وأنشدني الكريزى أيضا أنشدني شعيب بْن أَحْمَد لأبي العتاهية ... قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب إن الحريص على الدنيا لفي تعب مالي أراني إذا حاولت منزلة ... فنلتها طمحت نفسي إلى رتب لو كان ينفعني علمى وتجربتي ... لم أشف غيظي من الدنيا ولا كلبي قال أَبُو حاتم رضي الله عنه قد ذكرت مَا يشاكل هذه الحكايات بعللها في كتاب الثقة بالله بما أرجو أن يكون فيه غنية لمن أراد الوقوف على معرفتها فأغنى ذلك عَن تكرارها في هذا الكتاب
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع