تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الزجر عَن التحاسد والبغضاء

أنبأنا مُحَمَّد بْن الحسين بْن مُكْرَمٍ الْبَزَّازُ بِالْبَصْرَةِ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلاسُ

حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَبَاغَضُوا وَلا تَحَاسَدُوا وَلا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل مجانبة الحسد على الأحوال كلها فإن أهون خصال الحسد هو ترك الرضا بالقضاء وإرادة ضد مَا حكم اللَّه جل وعلا لعباده ثم انطواء الضمير على إرادة زوال النعم عَن المسلم والحاسد لا تهدأ روحه ولا يستريح بدنه إلا عند رؤية زوال النعمة عَن أخيه وهيهات أن يساعد القضاء مَا للحساد في الأحشاء

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي

أعذر حسودك فيما قد خصصت بهإن العلي حسن في مثله الحسد
إن يحسدوني فإني لا ألومهمقبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا
للشاعر الكُمَيتِ بن معروف الأسدي، اقرأ القصيدة
فَدامَ لي وَلَهُم ما بي وَما بِهِمُوَماتَ أَكثَرُنا غَيظاً بِما يَجِدُ
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن يحسدوني فإني غير لائمهم»
أنا الذي وجدوني في صدورهملا أرتقي صدرا منهم ولا أرد

أنبأنا أَبُو خليفة حَدَّثَنَا ابْنُ كَثِيرٍ أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَن أَبِي إِسْحَاق عَن عمرو بْن ميمون قَالَ رأى موسى رجلا عند العرش فغبطه بمكانه فسأله عنه فقال ألا أخبرك بعمله كان لا يحسد الناس على مَا آتاهم اللَّه من فضله ولا يعق والديه قَالَ وكيف يعق والديه قال يستثب لهما حتى يسبا ولا يمشي بالنميمة

أنشدني ابن بلال الأنصاري

عين الحسود عليك الدهر حارسةتبدى مساويك والإحسان يخفها
فاحذر حراستها واحذر تكشفهاوكن على قدر مَا توليك توليها

أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ الْكِنَانِيُّ بِالأَبْلَهِ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الضَّرِيرُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ كَعْبِ بن علقمة قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ

رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا مِنْ أحد عنده نِعْمَةٌ إِلا وَجَدْتَ لَهُ حَاسِدًا وَلَوْ كَانَ الْمَرْءُ أَقْوَمَ مِنَ الْقَدَحِ لَوَجَدْتَ لَهُ غَامِزًا وَمَا ضَرَّتْ كَلِمَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا خَوَاطِبُ

وأنشدني علي بْن مُحَمَّد البسامي

حسدوا الفتى إذا لم ينالوا سعيهفالقوم أنداد له وخصوم
كَضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَاحَسَداً وَبَغْياً إِنَّهُ لَدَمِيمُ
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه»
وترى اللبيب محسدا لم يجتلبشتم الرجال وعرضه مشتوم

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْقَزَّازُ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن حرب حَدَّثَنَا غسان بْن المفضل أخبرني مُحَمَّد بْن يزيد عَن يونس بْن عُبَيْد قَالَ قَالَ ابن سيرين مَا حسدت أحدا على شيء من الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى الجنة وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على شيء من الدنيا وهو يصير إلى النار عنه الحسد من أخلاق اللئام وتركه من أفعال الكرام ولكل حريق مطفيء ونار الحسد لا تطفأ

ومن الحسد يتولد الحقد والحقد أصل الشر ومن أضمر الشر في قلبه أنبت له نباتا مرا مذاقه نماؤه الغيظ وثمرته الندم

والحسد هو اسم يقع على إرادة زوال النعم عَن غيره وحلولها فيه فأما من رأى الخير في أخيه وتمنى التوفيق لمثله أو الظفر بحاله وهو غير مريد لزوال مَا فيه أخوه فليس هذا بالحسد الذي ذم ونهي عنه

ولا يكاد يوجد الحسد إلا لمن عظمت نعمة اللَّه عَلَيْهِ فكلما أتحفه الله بترداد النعم ازداد الحاسدون له بالمكروه والنقم

وقد كان داود بْن علي رحمة اللَّه عَلَيْهِ ينشد كثيرا

.. إني نشأت وحسادي ذوو عددياذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن يحسدوني على مَا كان من حسنفمثل خلقي فيهم جر لي حسدا

حدثنا عمرو بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق أَخْبَرَنَا عباد بْن عباد المهلبي قَالَ قَالَ أَبُو جعفر المنصور لسفيان بْن معاوية مَا أسرع الناس إلى قدمتك المدينة فقال يا أمير المؤمنين

إن العرانين تلقاها محسدةولن ترى للئام الناس حساد
للشاعر الوزير المهلبي، اقرأ القصيدة

وأنشدني الكريزي أنشدني مُحَمَّد بْن الحسين العمي

حسدوا النعمة لما ظهرتفرموها بأباطيل الكلم
وإذا مَا اللَّه أبدى نعمةلم يضرها قول حساد النعم

سمعت أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن الأزهر يقول سمعت أَحْمَد بْن سَعِيد الدار يقول سمعت أبا إِسْحَاق الطالقاني يقول كنا نتعلم في الكتاب كما نتعلم أَبُو جاد جهل نيسابوري وبخل مروزي وحسد هروي وطرم بلخي

أنبأنا مُحَمَّد بْن عثمان العقبي حَدَّثَنَا عمران بْن موسى بْن أيوب حدثني أَبِي عَن مخلد بْن الحسين عَن هشام عَن ابن سيرين قَالَ مَا حسدت أحدا على دين ولا دنيا

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لا يوجد من الحسود أمان أحرز من البعد منه لأنه مَا دام مشرفا على مَا خصصت به دونه لم يزده ذلك إلا وحشة وسوء ظن بالله ونماء للحسد فيه

فالعاقل يكون على إماتة الحسد بما قدر عَلَيْهِ أحرص منه على تربيته ولا يجد لإماتته دواء أنفع من البعاد فإن الحاسد ليس يحسدك على عيب فيك ولا على

خيانة ظهرت منك ولكن يحسدك بما ركب فيه من ضد الرضا بالقضاء كما قال العتبي

أفكر مَا ذنبي إليك فلا أرىلنفسي جرما غير أنك حاسد

وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش

ليس للحاسد إلا مَا حسدوله البغضاء من كل أحد
وأرى الوحدة خيرا للفتىمن جليس السوء فانهض إن قعد

وأنشدني مُحَمَّد بْن نصر المديني لحبيب بْن أوس

وَإِذا أَرادَ اللَهُ نَشرَ فَضيلَةٍطُوِيَت أَتاحَ لَها لِسانَ حَسودِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
لولا اشتعال النار فيما جاورتمَا كان يعرف طيب عرف العود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»
لولا التخوف للعواقب لم تزلللحاسد النعمى على المحسود
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرأيت أي سوالف وخدود»

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن أَبِي طالب حَدَّثَنَا روح بْن عبادة حَدَّثَنَا حماد عَن حميد قَالَ قلت للحسن يا أبا سَعِيد هل يحسد المؤمن قال مَا أنساك بني يعقوب لا أبالك حيث حسدوا يُوسُف ولكن غم الحسد في صدرك فإنه لا يضرك مَا لم يعد لسانك وتعمل به يدك

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه العاقل إذا خطر بباله ضرب من الحسد لأخيه أبلغ المجهود في كتمانه وترك إبداء مَا خطر بباله

وأكثر مَا يوجد الحسد بين الأقران أو من تقارب الشكل لأن الكتبة لا يحسدها إلا الكتبة كما أن الحجبة لا يحسدها إلا الحجبة ولن يبلغ المرء مرتبة من مراتب هذه الدنيا إلا وجد فيها من يبغضه عليها أو يحسده فيها والحاسد خصم معاند لا يجب للعاقل أن يجعله حكما عند نائبة تحدث فإنه إن حكم لم يحكم إلا عَلَيْهِ وإن قصد لم يقصد إلا له وإن حرم لم يحرم إلا حظه وإن

أعطى أعطى غيره وإن قعد لم يقعد إلا عنه وإن نهض لم ينهض إلا إليه وليس للمحسود عنده ذنب إلا النعم التي عنده

فليحذر المرء مَا وصفت من أشكاله وأقرانه وجيرانه وبنى أعمامه

وقد أَنْبَأَنَا عمرو بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الغلابي حَدَّثَنَا العباس بْن بكار قَالَ قَالَ رجل لشبيب بْن شبه إني لأحبك قَالَ صدقت قَالَ وما علمك قَالَ لأنك لست بجار ولا ابن عم

وأنشدني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن زنجي البغدادي

أنت امرؤ قصرت عنه مروءتهإلا من الغش للإخوان والحسد
أأن تراني خيرا منك تحسدنيإن الفضيلة لا تخلو من الحسد

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه بئس الشعار للمرء الحسد لأنه يورث الكمد ويورث الحزن وهو داء لا شفاء له

والحاسد إذا رأى بأخيه نعمة بهت وإن رأى به عثرة شمت ودليل مَا في قلبه كمين على وجهه مبين وما رأيت حاسدا سالم أحدا

والحسد داعية إلى النكد ألا ترى إبليس حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه فصار لعينا بعدما كان مكينا ويسهل على المرء ترضي كل ساخط في الدنيا حتى يرضى إلا الحسود فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة التي حسد من أجلها

ولقد حدثني مُحَمَّد بْن عثمان العقدي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن زكريا الغلابي حَدَّثَنَا ابن عائشة قَالَ قَالَ بعض الحكماء ألزم الناس للكآبة أربعة رجل حديد ورجل حسود وخليط للأدباء وهو غير أديب وحكيم محتقر للأقوام وأبعد الناس من الدخول في دين الحق والنصيحة لأهله جاهل ورث الضلالة عن أهله ورأ س أهل ملته حظى فيهم بفضل الضلالة ومعظم للدنيا يرى بهجتها دائمة محبوبة ويرى مَا رجي من خيرها قريبا وما صرف من شرها بعيدا ليس يعقد قلبه على الإيمان ورجل خالط النساك فانصرف عنهم لحرصه وشرهه ودامجهم على مكر وخديعه

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.