تجاوز إلى المحتوى

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء» لابن حبان البستي (ت ٣٥٤هـ)

ذكر الحث على مجانبة الغضب وكراهية العجلة

أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ الْبَزَّارُ بِحُنْدَيْسَابُورَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الزِّيَادِيُّ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ جَابِرًا قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ عَلِّمْنِي شَيْئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ وَلا تُكْثِرْ عَلِيَّ لَعَلِّي أَعْقِلُ قَالَ لا تَغْضَبْ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه أحسن الناس عقلا من لم يحرد وأحضر الناس جوابا من لم يغضب

وسرعة الغضب أنكى في العاقل من النار في يبس العوسج لأن من غضب زايله عقله فقال مَا سولت له نفسه وعمل ما شأنه وأرداهأ

ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن عثمان العقدي حدثنا إسحاق بن زكريا البناني حَدَّثَنَا عَبْد الصمد بْن حسان حدثني وهيب قَالَ مكتوب في الإنجيل ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وإذا ظلمت فلا تنتصر فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك

وأنشدني الكريزي

ولم أر فضلا تم إلا بشيمةولم أر عقلا صح إلا على الأدب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
ولم أر في الأعداء حين اختبرتهمعدوا لعقل المرء أعدى من الغضب
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة

قال أَبُو حاتم رضى الله عنه سرعة الغضب من شيم الحمقى كما أن مجانبته من ري العقلاء والغضب بذر الندم فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح مَا أفسد به بعد الغضب

ولقد أَنْبَأَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الثقفي حَدَّثَنَا حاتم بْن الليث الجوهري حَدَّثَنَا بكار بْن مُحَمَّد قَالَ كان ابن عون لا يغضب فإذا أغضبه إنسان قَالَ بارك اللَّه فيك

وأنشدني مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن حبيب الواسطي

لم يأكل الناس شيئا من مآكلهمأحلى وأحمد عقباه من الغضب
ولا تلحف إنسان بملحفةأبهى وأزين من دين ومن أدب

أنبأنا كامل بْن مكرم حَدَّثَنَا الربيع بْن سليمان حَدَّثَنَا أسد بْن موسى حَدَّثَنَا ضمرة عَن أَبِي سَعِيد قَالَ كان عون بْن عَبْد اللَّه بْن عتبة إذا غضب على غلامه قَالَ مَا أشبهك بمولاك أنت تعصيني وأنا أعصي اللَّه فإذا شتد غضبه قَالَ أنت حر لوجه اللَّهِ

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه الواجب على العاقل إذا ورد عَلَيْهِ شيء بضد مَا تهواه نفسه أن يذكر كثرة عصيانه ربه وتواتر حلم اللَّه عنه ثم يسكن غضبه ولا يزري بفعله الخروج الى مالا يليق بالعقلاء في أحوالهم مع تأمل وفور الثواب في العقبى بالاحتمال ونفي الغضب

وأنشدني الأنصاري

وكظمي الغيظ أولى من محاولتيغيظ العدو بإضراري بإيماني
.. لا خير في الأمر ترديني مغبتهيوم الحساب إذا مانص ميزاني

أنبأنا مُحَمَّد بْن المنذر حَدَّثَنَا عمر بْن علي بْن زياد العنبري قَالَ سمعت سالم ابن ميمون الخواص يقول

إِذا نَطَقَ السَفيهُ فَلا تَجِبهُفَخَيرٌ مِن إِجابَتِهِ السُكوتُ
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «إذا نطق السفيه فلا تجبه»
سكت عَن السفيه فظن أنيعييت عَن الجواب وما عييت
شرار الناس لو كانوا جميعاقذى في جوف عيني مَا قذيت
فلست مجاوبا أبدا سفيهاخزيت لمن يجافيه خزيت

وأنشدني عَبْد العزيز بْن سليمان الأبرش

تأن في أمرك وافهم عنيفليس شيء يعدل التأني

تأن فيه ثم قل فإني أرجو لك الإرشاد بالتأني ...

أخبرني مُحَمَّد بْن أَبِي علي الخلادي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جعفر الزبيري عَن سَعِيد بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن طلحة قَالَ أنشدني يونس بْن إِبْرَاهِيم بْن محمد أبن طلحة لمحمد بْن عيسى بْن طلحة بْن عُبَيْد اللَّه

فلا تعجل على أحد بظلمفإن الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وإن مليت غيظاعلى أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخا لك عند ذنبوإن الذنب يغفره الكريم
ولكن داري عوراه برفقكما قد يرقع الخلق القديم
ولا تجزع لريب الدهر واصبرفإن الصبر في العقبى سليم
فما جزع بمغن عنك شيئاولا مافات ترجعه الهموم

قال أَبُو حاتم رضي الله عنه لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عَلَيْهِ الاحتيال لمفارقته بكل سبب

والغضبان لا يعذره أحد في طلاق ولا عتاق ومن الفقهاء من عذر السكران في الطلاق والعتاق والخلق مجبولون على الغضب والحلم معا فمن غضب وحلم في نفس الغضب فإن ذلك ليس بمذموم مَا لم يخرجه غضبه إلى المكروه من القول والفعل على أن مفارقته في الأحوال كلها أَحْمَد

ولقد أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا الْغَلابِيُّ حَدَّثَنَا مهدي بْن سابق عَن عطاء قَالَ قَالَ عَبْد الملك بْن مروان إذا لم يغضب الرجل لم يحلم لأن الحليم لا يعرف إلا عند الغضب

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «روضة العقلاء ونزهة الفضلاء»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.