تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا بابٌ أيضاً من المصادر يَنتصب بإضمار الفعل المتروك إظهارُه ولكنَّها مصادرُ وُضعَتْ موضعاً واحدا لا تَتصرَّفُ فى الكلام تصرُّفَ ما ذكرنا من المصادر

وتصرُّفُها أنّها تَقَعُ فى موضع الجرَّ والرفع وتدخلُها الألفُ واللام.

وذلك قولك: سُبْحانَ اللهِ، ومَعاذَ اللهِ ورَيْحانَه، وعَمْرَك الله إلاّ فعلتَ " وقِعدَك الله إلاَّ فعلتَ "، كأَنّه حيث قال: سُبْحانَ اللهِ قال: تسبيحاً، وحيث قال: وريحانَه قال: واستِرْزاقاً؛ لأنَّ معنى الرَّيْحانِ الرَّزْقُ. فَنصَبَ هذا على أُسَبَّحُ الله تسبيحا، وأَستْرزِقُُ الله استرزاقا؛ فهذا بمنزلة سبحانَ اللهِ وريْحانَه، وخُزِلَ الفعلُ ههنا لأنَّه بدلٌ من اللفظ بقوله: سبحك وأَسترزقُك.

وكأَنّه حيث قال: معاذَ اللهِ، قال: عِياذاً باللهِ. وعياذاً انتَصب على أَعوذُ باللهِ عياذا، ولكنهم لم يُظْهرِوُا الفعل ههنا كما لم يُظهر فى الذى قبله.

وكأَنّه حيث قال: عَمْرَك الله وقعِدْك الله. قال: عَمّرتُك الله بمنزلة نَشدتُك الله، فصارت عَمْرَك الله منصوبةً بعمَّرتُك الله، كأَنك قلتَ: عمّرتُك عَمرا، ونشدتك نَشْداً، ولكنَّهم خَزلوا الفعل لأنَّهم جعلوه بدلاً من اللفظ به.

قال الشاعر:

عمرتك الله إذا ما ذَكْرتِ لناهل كنتِ جارتَنا أَيّامَ ذى سَلَمِ

فقِعْدَك الله يَجرى هذا المجرى وإن لم يكن له فِعْل. وكأَنّ قوله: عَمْرَك الله وقِعْدَك الله بمنزلة نَشْدَك الله وإن لم يُتكلَّم بنَشْدَك الله، ولكن زعم الخليل رحمه الله أنّ هذا تمثيلٌ يمثَّل به. قال الشاعر، ابن أحمرَ:

عَمَّرتُكَ الله الجَليلَ فإِنّنىأَلْوِى عليكَ لَوَ أنّ لُبَّكَ يَهْتَدِى
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «أفد الرحيل وليته لم يأفد»

والمصدرُ النَّشدانُ والنَّشدَةُ.

وهذا ذكرُ معنى " سُبحانَ "، وإنَّما ذُكر ليبيَّن لك وجهُ نصبِه وما أِشبهه.

زعم أبو الخَطّاب أنّ سُبْحانَ اللهِ كقولك: بَرَاءَةَ اللهِ من السُّوءِ، كأَنَّه يقول: " أبرَّئُ " براءةَ الله من السُّوء. وزعم أنَّ مثلَه قولُ الشاعر، وهو الأعشى:

أقول لما جاءَنى فَخْرُهسُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفاخِرِ

أى براءةً منه.

وأمّا تركُ التنوين فى سُبْحانَ فإِنما تُرك صرفُهُ لأنه صار عندهم معرفةً، وانتصابُه كانتصاب الحمدَ لله.

وزعم أبو الخَطّاب أَنّ مثَلَه قولُك للرجل: سَلاماً، تريد تسلُّماً منك، كما قلت: براءَةً منك، تريد: لا ألتبس بشيء من أمرك. وزعم أنّ أبا ربيعةَ كان

يقول: إذا لقيتَ فلانا فُقْل " له " سَلاماً. فزعم أنه سأَله ففَسَّرَه له بمعنى براءةً منك. وزعم أنّ هذه الآية: " وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما " بمنزلة ذلك، لأنّ الايَةَ فيما زَعم مكّيّةٌ، ولم يؤمَرِ المسلمون يومئذ أن يسلَّموا على المشركين، ولكنّه على قولك: " براءة منكم " وتسلُّما، لا خيرَ بيننا وبينكم ولا شرَّ.

وزعم أنّ قولَ الشاعر، وهو أُميّةُ بن أبى الصَّلْت:

سَلامَك ربَّنا فى كلّ فَجرٍبَرِيئاً ما تَغَنَّثُكَ الذُّمومُ

على قوله: براءتَك ربَّنا من كلّ سوء.

فكلُّ هذا يَنتصب انتصاب حَمداً وشُكْراً، إلاّ أنَّ هذا يَتصرّف وذاك لا يَتصرّف.

ونظير سُبْحانَ الله فى البناء من المصادر والمجرى لا فى المعنى " غُفْرانَ "؛ لأنّ بعض العرب يقول: غُفْرانَك لا كُفْرانَك، يريد استغفاراً لا كُفْراً.

ومثل هذا

قوله جلّ ثناؤه: " ويقولون حجرا محجورا، أى حراماً محرماً، يريدبه البراءةَ من الأمر ويبعَّدُ عن نفسه أمراً، فكانه قال: أُحَرَّمُ ذلك حَراماً محرَّما.

ومثل ذلك أن يقول الرجلُ للرجل: أتَفعل كذا وكذا؟ فيقولُ: حِجراً، أى سِتْرا وبراءةً من هذا. فهذا يَنتصب على إضمار الفعل، ولم يُرِدْ أن يَجعله مبتدأ خبره بعده ولا مبنيًّا على اسم مضمَرٍ.

واعلم أنَّ من العرب من يَرفع سلاما إذا أراد معنى المبارأةِ، كما رفعوا حَنانٌ. سمعنا بعضَ العرب يقول " لرجل ": لا تكونن مني " في شيء " إلاَّ سلامٌ بسَلامٍ، أى أمرى وأمرُك المبارأةُ والمتاركةُ. وتركوا لفظ ما يَرفعُ كما تركوا فيه لفظَ ما يَنصب، لأنَّ فيه ذلك المعنى، ولأنَّه بمنزلة لفظِك بالفعل.

وقد جاء سُبْحانَ منوَّنا مفرَداً فى الشعر، قال الشاعرُ، وهو أمية ابن أبى الصلت:

سُبحانَه ثم سُبْحاناً يَعودُ لهوقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِىُّ والجُمُدُ
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «سبحانه ثم سبحانا يعود له»

شبّهه بقولهم: حِجْراً وسَلاما.

وأمّا سُبّوُحاً قُدُّوساً رَبَّ الملائكةِ والرُّوحِ، فليس بمنزلة سُبحانَ اللهِ؛ لأنّ السُّبّوحَ والقُدّوسَ اسمٌ، ولكنَّه على قوله: أَذْكرُ سُبُّوحاً قُدّوساً. وذاك أنَّه خَطَرَ على باله أو ذكره ذاكر فقال: سبوحاً، أى ذكرتَ سُبّوحاً، كما تقولُ: أهلَ ذاك، إذا سمعتَ الرجلَ ذَكَرَ الرجلَ بثناءٍ أو يذم، كأَنّه قال: ذكرتَ أهلَ ذاك؛ لأنَّه حيث جرى ذكرُ الرجل " فى منطقة " صار عنده بمنزلة قوله: أَذكُرُ فلانا، أو ذكرتَ فلانا. كما أنَّه حيثُ أَنْشَدَ ثم قال: صادِقاً، صار الإِنشادُ عنده بمنزلة قاَلَ، ثم قال: صادِقاً وأهلَ ذاك، فحملَه على الفعل متابِعاً للقائل والذاكرِ. فكذلك: سُبُّوحاً قُدّوسا، كأَنَّ نفسهَ " صارت " بمنزلة الرجل الذاكر والمنشِدِ حيث خطر على باله الذكرُ، ثم قال: سبُّوحا قُدّوسا، أى ذكرتَ سُبُّوحا، متابِعاً لها فيما ذكَرت وخطَر على بالها.

وخَزَلوا الفعلَ لأنَّ هذا الكلام صار عندهم بدلا من سبَّحت، كما كان مَرْحبا بدلا من رَحُبَت بلادُك وأَهِلَتْ.

ومن العرب من يَرفع فيقولُ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ " رَبَّ الملائكة والرُّوح "، كما قال: أهلُ ذاك وصادقٌ واللهِ. وكلُّ هذا على ما سمعنا العربَ تَتكلَّم به رفعا ونصباً.

ومثلُ ذلك: خَيْرُ ما رُدَّ فى أهلٍ ومالٍ، " وخَيْرَ ما رُدَّ فى أهلٍ ومالٍ " أُجرى مُجرى خيرَ مقدمٍ وخيرُ مقدمٍ.

ومما يَنتصب فيه المصدرُ على إضمار الفعلِ المتروك إظهارُه، ولكنَّه فى معنى التعجُّبِ، قولُك: كَرَماً وصَلَفاً، كأَنَّه قال: أَلْزَمَك اللهُ وأَدامَ لك كَرَماً وأُلْزِمْتَ صَلَفاً، ولكنهم خَزَلُوا الفعلَ ههنا كما خزلوه فى الأوّل، لأنَّه صار بدلا من قولك: أَكرِمْ به وأَصْلِفْ به، كما انتَصب مَرْحَباً. وقلتَ " لَكَ "، كما قلت " بِكَ " بعد مَرْحَباً، لتبيّن من تَعنى، فصار بدلاً فى اللفظ من رَحُبَتْ " بلادُك.

وسمعتُ أَعرابيا وهو أبو مُرْهِبٍ، يقول: كَرَماً وطُولَ أنف، أي أكرم بك وأطول بأنفك ".

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.