من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
بابٌ يُختار فيه أن تكون المصادرُ مبتدأة مبنياً عليها ما بعدها وما أشبه المصادر من الأسماء والصفات
وذلك قولك: الحمدُ لله، والعَجَبُ لك، والوَيلُ لك، والتُّرابُ لك، والخَيْبةُ لك.
وإنّما استحبّوا الرفعَ فيه لأنَّه صار معرفةً وهو خَبَرٌ فقَوىَ فى الابتداء، بمنزلة عبد الله والرجل الذي تَعلم، لأنَّ الابتداءَ إنَّما هو خَبَرٌ، وأَحسنْه إذا اجتمع نكرة ومعرفة أن يبتدئ بالأعرف؛ وهو أصل الكلام.
ولو قلت: رجلٌ ذاهبٌ لم يَحسن حتَّى تعرفه بشيء فتقولَ: راكبٌ من بنى فلان سائرٌ. وتَبيعُ الدارَ فتقولُ: حدٌّ منها كذا وحدٌّ منها كذا، فأصلُ الابتداء للمعرفةِ. فلما أدخلتَ فيه الألف واللام وكان خبراً حَسُنَ الابتداءُ، وضَعُفَ الابتداءُ بالنكرة إلاَّ أن يكون فيه معنى المنصوب.
وليس كلُّ حرف يُصْنَعُ به ذاك، كما أنّه ليس كلُّ حرفٍ يَدخل فيه الألفُ واللام من هذا الباب. لو قلت: السَّقْىُ لك والرَّعْىُ لك، لم يجز.
واعلم أنَّ الحمدُ لله وإن ابتدأتَه ففيه معنى المنصوب، وهو بدل من اللفظ بقولك: أَحمَدُ الله.
وأما قوله: شيء ما جاءَ بك، فإِنه يَحسُن وإن لم يكن على فعل مضمَرٍ، لأنّ فِيهِ معنى ما جاء بك إلا شيء. ومثلُه مَثَلٌ للعرب: " شرٌّ أهَرَّ ذا ناب ".
وقد ابتُدئَ فى الكلام على غير ذا المعنى وعلى غير ما فيه معنى المنصوبِ وليس بالأصل، قالوا فى مَثَلٍ: " أَمْتٌ فى الحجر لا فيكَ ".
ومن العرب من يَنصب بالألف واللام، من ذلك قولك: الحمدَ لله، فينصبها عامَّةُ بنى تميم وناسٌ من العرب كثير.
وسمعِنا العرب الموثوقَ بهم يقولون: التُّرابَ لك والعَجَب لك. فتفسيرُ نصبِ هذا كتفسيره حيث كان نكرةً، كأَنّك قلت: حمداً وعجباً، ثم جئت بلَكَ لتبيَّن مَنْ تَعنى، ولم تَجعله مبنيًّا عليه فتبَتدئَهُ.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع