من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا بابٌ من النكرة يَجرى مجرى ما فيه الألفُ واللام من المصادر والأسماء
وذلك قولك: سلامٌ عليك ولَبَّيْك، وخيرٌ بين يديك، ووَيْلٌ لك، ووَيْحٌ لك، ووَيْسٌ لك، ووَيلةٌ لك، وعَوْلةٌ لك، وخيْرٌ له، وشرٌّ له، و " لعنة الله على الظالمين ".
فهذه الحروف كلها مبتدأ مبنىٌّ عليها ما بعدها، والمعنى فيهنَّ أنّك ابتدأ شيئاً قد ثَبَتَ عندك، ولَسْتَ فى حال حديثك تعمل في إثباتها وتزجيتها، وفيها ذلك المعنى، كما أنّ حسبُك فيها معنى النهى، وكما أنّ رحمةُ الله عليه فيه معنى رحمه الله. فهذا المعنى فيها، ولم تجعل بمنزلة الحروف التي إذا ذكرته كنتَ فى حال ذكرك إيّاها تَعملُ فى إثباتها وتزجيتها، كما أنَّهم لم يجعلوا سَقْياً ورعيا بمنزلة هذه الحروف، فإنما تجريها كما أجرت العرب، وتضعها في المواضع التى وُضعن فيها، ولا تُدْخِلَنَّ فيها ما لم يُدخِلوا من الحروف. ألا أترى أنَّك لو قلت: طَعاماً لك وشَراباً لك ومالاً لك، تريد معنى سَقْياً، أو معنى المرفوعِ الذى فيه معنى الدعاءِ لم يجز، لأنَّه لم يُستعمَل هذا الكلامُ كما استُعمل ما قبله. فهذا يدلك ويبصرك أنه ينبغي لك أن تجري هذا الحروفَ كما أجرتِ
العربُ وأَنْ تَعْنِىَ ما عَنَوْا " بها ". فكما لم يجز أن يكون كلُّ حرف بمنزلة المنصوب الذى أنت فى حال ذكرك أياه تَعملُ فى إثباته وتزجيته، ولم يجز لك أن تَجعل المنصوبَ بمنزلة المرفوع. إلاّ أنَّ العرب ربَّما أجرتِ الحروفَ على الوجهينِ.
ومَثَلُ الرفع: " طُوبَى لَهُمْ وَحُسنُ مآبٍ "، يدلُّك على رفعها رفع حسن مآب. وأمَّا قوله تعالى جدُّه: " ويل يومئذ للمكذبين " و " ويل للمطففين "، فإِنّه لا ينبغى أن تقول إنّه دعاءٌ ههنا، لأنّ الكلام بذلك قبيح، واللفظ " به " قبيحٌ، ولكنّ العبادَ إنَّما كُلَّموا بكلامهم، وجاء القرآنُ على لغتهم وعلى ما يَعنون، فكأَنَّه واللهُ أعلمُ قيل لهم: وَيلٌ لِلْمُطَفَّفِينَ، ووَيْلُ " يَوْمَئِذٍ " لِلمُكَذَّبِينَ، أى هؤلاءِ ممن وجب هذا القولُ لهم، لأنَّ هذا الكلامَ إنّما يقال لصاحب الشر والهلكلة، فقيل: هؤلاء ممن دخل فى الشرّ والهلكة ووجَبَ لهم هذا.
ومِثل ذلك " قوله تعالى ": " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ". فالعلمُ قد أتى من وراء ما يكون، ولكن اذهَبَا أنتما فى رَجائكما وطَمَعِكما ومبلغكما من العلم، وليس لهما أكثرُ من ذا ما لم يَعْلَما.
ومثله: " قاتلهم الله "، فإِنما أُجرى هذا على كلام العباد وبه أُنزل القرآنُ.
وتقول: وَيلٌ له وَيْلٌ طويلٌ، فإِنْ شئت جعلته بدلاً من المبتدإ الأوّل، وإن شئت جعلته صفةً له، وإن شئت قلت: وَيلٌ لك وَيْلاً طويلا، تجعلُ الويلَ الاخِرَ غيرَ مبدول ولا موصوف به، ولكنَّك تَجعله دائماً، أى ثَبَتَ لك الويلُ دائما.
ومن هذا الباب: فِداءٌ لك أبى وأمّى، وحِمى لك أبى، ووِقاءُ لك أمّى.
ولا تقول: عَولةٌ لك إلاَّ أن يكون قبلها وَيْلةٌ لك، ولا تقول: عَوْلٌ لك حتَّى تقول: وَيْلٌ لك؛ لأنّ ذا يتبع ذا، كما أنّ يَنُوءُك يَتْبَعُ يَسُوءُك ولا يكون ينوءُك مبتدأ.
واعلم أن بعض العرب يقول: وَيْلاً له وويلةً له، وعولةً لك، ويجريها مجرى خَيْبَةً. من ذلك قول الشاعر، وهو جرير:
كَسَا اللؤم تيماً خضرة في جولدهافَوْيلاً لتيمٍ من سرَابِيلها الخُضْرِ
ويقول الرجل: يا وَيْلاهُ! فيقولُ الآخَر: وَيْلاً كَيْلاً! كأَنّه يقول: لك ما دعوتَ به وَيْلاً كَيْلاً. يدلك على ذلك قولهم إذا قال يا ويلاه: نعم ويلا كيلاً، أي كذلك أمرك، أو لك الويل ويلا كيلا. وهذا مشبَّة بقوله: ويل له وَيْلاً كَيْلاً. وربَّما قالوا: يا ويلاً كيلاً، وإن شاء جعله على قوله: جَدْعاً وعقراً.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع