تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب ما يَنتصب من الأسماءِ والصفات لأنَّها أَحوالٌ تقع فيها الأمورُ

وذلك قولك: هذا بُسراً أَطْيَبُ منه رُطَباً. فإِنْ شئت جعلتَه حيناً قد مضى، وإن شئتَ جعلتَه حينًا مستقبَلا. وإنَّما قال الناسُ هذا منصوبٌ على إضمارِ إذَا كانَ فيما يُستقبل، وإذْ كانَ فيما مضى، لأن هذا لمّا كان ذا معناه أَشْبَهَ عندهم أن يَنتصب على إذَا كانَ. " ولو كان على إضمارٍ كانَ لقلت: هذا التَّمْرَ أطيبُ منه البُسْرَ؛ لأنّ كانَ قد يَنصب المعرفةَ كما يَنصب النكرةَ، فليس هو على كانَ ولكنَّه حال ".

ومنه: مررتُ برَجُلٍ أَخْبَثَ ما يكونُ أَخْبَثَ منك أَخْبَثَ ما تكونُ، وبرجل خيرَ ما يكون خيرٍ منك خيرَ ما تكونُ، وهو أخْبَثَ ما يكون

أخبث منك أخبث ما تكون. فهذا كلُّه محمولٌ على مثل ما حملت عليه ما قبله.

وإنْ شئت قلتَ: مررتُ برجلٍ خيرُ ما يكون خيرٌ منك، كأَنّه يريد برجلٍ خيرُ أَحوالهِ خيرٌ منك، أى خيرٌ من أَحوالك. وجاز لهُ أن يقول: خيرٌ منك، وهو يريد: " خير " من أَحوالك، كما جاز أن تقول: نهارُك صائمٌٍ وليلُكَ قائم.

وتقول: البُرُّ أَرخصُ ما يكون قَفيزانِ، أى البرُّ أَرخصُ أَحوالِه التى يكون عليها قَفيزانِ، كأَنّك قلت: البرُّ أَرخصُه قَفيزان.

ومن ذلك هذا البيتُ تُنشِده العربُ على أَوْجُهٍ، بعضُهم يقول، وهو قول عمرو بن مَعْدِ يكَرِبَ:

الحَرْبُ أوّل ما تكونْ فتيةتسعى ببزتها لكل جهول
للشاعر موسى بن جابر الحنفي، من قصيدة «وقلت لزيدٍ لا تترتر فإنهم»

أي أعرب أوّلُها فتيَّة ولكنّه أنَّث الأوّلَ، كما تقول: ذهبتْ بعضُ أصابعه. وبعضُهم يقول:

" الحربُ أوّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ "

أى إذا كانت فى ذلك الحينِ. وبعضهم يقول:

" الحربُ أوّلُ ما تكون فُتَيَّةً "

كأَنّه قال: الحربُ أوّلُ أَحوالِها إذا كانتْ فتَيَّةً، كما تقول: عبدُ الله أحسنُ ما يكون قائما. ومن رَفَعَ الفُتَيَّة ونَصَب الأوّل على الحال قال: البُرُّ أَرْخَصَ ما يكون قَفيزانِ. ومن نَصَبَ الفُتَيَّة ورَفَعَ الأوّل قال: البُرُّ أَرْخَصُ ما يكون قَفيزَيْن.

وأمَّا عبدُ الله أحسنُ ما يكونُ قائماً فلا يكون فيه إلاّ النصبُ؛ لأنه لا يجوز لك أن تَجعل أحسنَ أَحوالِه قائماً على وجهٍ من الوجوه.

وتقول: عبدُ الله أَخْطَبُ ما يكون يومَ الجمعة، والبَداوة أطيبُ ما تكون شهرَىْ ربيع، كأَنّك قلت: أخطبُ ما يكون عبدُ الله فى يوم الجمعة، وأطيبُ ما تكون البَداوةُ فى شهرى ربيع.

ومن العرب من يقول: أخطبُ ما يكون الأميرُ يومُ الجمعة، وأطيبُ ما تكون البَداوةُ شهرَا ربيع، كأنّه قال: أَخطبُ أيّام الأمير يومُ الجمعة، وأطيبُ أَزمنِة البداوة شهرا ربيع. وجاز أخطبُ أيّامه يومُ الجمعة على سعة الكلام، وكأنّه قال: أطيبُ الأزمنة التى تكون فيها البداوةُ شهرا ربيع، وأخطبُ الأيّام التى يكون فيها الأمير خَطيبًا يومُ الجمعة.

وتقول: آتيك يوم الجمعة أبطوه، على معنى ذاك أبطؤه. كأنّه قيل له أىُّ غاية هذه عندك وأىُّ إتيان ذا عندك، أسريع أم بطيء؟ فقال: أبطوه، على معنى: ذاك أَبْطَؤُه.

وتقول: آتيك يومَ الجمعة أَو يومَ السبت أبطؤُه أو يومُ السَّبتِ أبطؤه، وأَعطُيته درهما أو درهمين أكثرَ ما أعيته، " وأعطيتهُ درهما أو درهمان أكثرُ ما أعطيتُه ". وإن شَاء نصب الدرهمين وقال: أكثر ما أعطيته. وإن شاء نصب أكثرَ أيضاً على أنّه حالٌ وقعت فيه العطيةُ. وإن شاء قال: آتيك يومَ الجمعة أبطأه، أي أبطأ الإتيان يوم الجمعة.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.