من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب ما يكون المصدرُ فيه توكيداً لنفسه نصباً
وذلك قولك: له علَّى أَلْفُ درهمٍ عُرْفاً. ومثلُ ذلك قولُ الأَحْوَص:
إنّى لأمْنَحُكَ الصُّدودَ وإنّنىقَسَماً إليك مع الصُّدودِ لأَمْيَلُ
وإنَّما صار توكيداً لنفسه لأنه حين قال: له علىّ، فقد أقرَّ واعتَرف؛ وحين قال: لأَمْيَلُ، عُلم أنَّه بعد حَلِفٍ؛ ولكنه قال: عُرْفاً وقَسَماً وتوكيداً كما " أنه إذا " قال: سِيرَ عليه فقد عُلم أنَّه كان سَيْرٌ، ثم قال: سَيْراً توكيداً.
واعلم أنه قد تَدخل الألفُ واللام فى التوكيد فى هذه المصادر المتمكَّنة التى تكون بدلاً من اللفظ بالفعل: كدخولها فى الأمر والنهى والخبر والاستفهام، فأَجْرها فى هذا الباب مُجراها هناك.
وكذلك الإِضافةُ بمنزلة الألف واللام.
فأمّا المضاف فقول الله تبارك وتعالى: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله " وقال الله تبارك وتعالى: " ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده ". وقال جلّ وعزّ: " الَّذِى أَحْسَنَ كل شيء خَلْقَه ". وقال جل ثناؤه: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ". ومن ذلك: اللهُ أَكبرُ دَعْوةَ الحَقَّ. لأنَّه لمّا قال جلّ وعزّ: " مر السحاب "، وقال: " أحسن كل شيء "، عُلم أنَّه خَلْقٌ وصُنعٌ، ولكنَّه وكَّد وثَّبت للعباد. ولما قال: " حرمت عليكم أمهاتكم " حتّى انقضى الكلام، علم الخاطبون أنّ هذا مكتوبٌ عليهم، مثَّبت عليهم، وقال: كِتَابَ اللهِ، توكيداً كما قال: صُنْعَ اللهِ، وكذلك: وَعْدَ اللهِ، لأنَّ الكلام الذى قبله وعد
وصُنعٌ، فكأَنّه قال جلّ وعزّ: وَعْداً وصُنعا وخَلْقا وكِتابا. وكذلك: دَعْوةَ الحَقَّ؛ لأنَّه قد عُلم أنَّ قولك: اللهُ أكبرُ، دُعاءُ الحقَّ ولكنَّه توكيدٌ، كأَنَّه قال: دعاءً حقًّا. قال رؤبةُ:
إنّ نِزاراً أَصبحتْ نِزارَادَعْوةَ أَبْرارٍ دَعَوْا أَبْرارَا
لأنّ قولك: أصبحتْ نزاراً، بمنزلة: هم على دَعوةٍ بارّةٍ.
وقد زعم بعضُهم أنّ كِتَابَ اللهِ " نصب " على قوله: عليكم كتابَ الله. وقال: قومٌ صبغة الله منصوبةٌ على الأمر. وقال بعضُهم: لا بل توكيداً. والصَّبغةُ: الدينُ.
وقد يجوز الرفعُ فيما ذكرنا أجمعَ على أن يضمِرَ شيئاً هو المظهَرُ، كأنَّك قلت: ذاك وعدُ اللهِ، وصبغةُ الله، أو هو دَعْوةُ الحقّ. على هذا ونحوِه رفعُه. ومن ذلك قوله جلّ وعزّ: " كَأَن لَمْ يَلْبَثُوا إلاّ سَاعَةً مِنْ نَهَار بَلاَغٌ "، كأَنه قال: ذاك بَلاغٌ.
واعلمْ أنّ، هذا البابَ أتاه النصبُ كمنصوبٍ بما قبله من المصادر فى أنّه ليس بصفة ولا من اسمٍ قبله، وإنَّما ذكرتَه لتؤَكَّدَ به، ولم تَحمله على مضمَرٍ يكون ما بعده رفعا وهو مفعولٌ به.
ومثلُ نصبِ هذا الباب قول الشاعر، وهو الراعى:
دَأَبْتُ إلى أن يَنْبُتَ الظَّلُّ بعد ماتَقَاصَرَ حتّى كاد فى الآلِ يَمْصَحُ
وَجِيفَ المطَايَا ثمّ قلتُ لصُحْبتىولم يَنْزِلوا أَبرَدتُمُ فتَرَوَّحُوا
لأنّه قد عُرف أنّ قوله " دأَبتُ ": سرت، لمّا ذُكر فى صدر قصيدتِه، فصار دأبتُ بمنزلة أوجفتُ عنده، فَجَعلَ وَجيفَ المطَايا توكيداً لأَوجفتُ الذى هو فى ضميرِه.
واعلم أنَّ نصب هذا " الباب " المؤكَّدِ به العامُّ منه وما وُكّد به نفسُه، ينصب على إضمار فعل غيرِ كلامِك الأوّلِ، لأنه ليس فى معنى كَيْفَ ولا لِمَ، كأَنّه قال: أَحُقُّ حَقًّا، فجَعله بدلاً كظَنًّا من أَظُنُّ، ولا أَقولُ قولَك
وأقولُ غيرَ ما تقول، وأَتَجِدُّ جِدَّك، وكَتب اللهُ تبارك وتعالى كتابَه، وادْعُوا دعاءً حقًّا، وصَبغ اللهُ صِبغَة، ولكن لا يَظهر الفعلُ لأنَّه صار بدلاً منه بمنزلة سَقيا.
وكذلك توجَّهُ سائرَ الحروفِ من هذا البابِ، كما فعلت ذلك في باب سقياً وحمداً لك.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع