تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب ما يَنتصب من المصادر توكيداً لما قبله

وذلك قولك: هذا عبدُ الله حَقًّا، وهذا زيد الحق لا الباطل، وهذا زيد غير ما تقول.

وزعم الخليل رحمه الله أنَّ قوله: هذا القولُ لا قولَك، إنما نصبهُ كنصبِ غيرَ ما تقول لأنَّ " لا قولَك " فى ذلك المعنى. ألا ترى أنَّك تقول: هذا القولُ لا ما تقول، فهذا فى موضعِ نصبٍ. فإِذا قلتَ: لا قولَك، فهو فى موضع لا ما تقول.

ومثل ذلك فى الاستفهام: أَجِدَّك لا تَفعلُ كذا وكذا؟ كأَنّه قال: أَحَقًّا لا تَفعل كذا وكذا؟ وأصلهُ من الجِدّ كأَنّه قال: أجدا، ولكنه لا يتصلاف ولا يفارقه الإِضافةُ كما كان ذلك في لَبَّيْك ومَعاذَ اللهِ.

وأمّا " غيرَ ما تقول " فلا تَعْرَى من أن تكون فى هذا الموضع مضافة إلى اسم معروفٍ، نحو قولَك؛ لأنه لو قال غير قول، أولا قولاً، لم يكن فى هذا بيانٌ، لأنه ليس كلُّ قول باطلا، وإنَّما يريد أن يحقَّق الأوّلَ بأمر معروف.

ولو قال: هذا الأمرُ غيرَ قِيلٍ باطلٍ كان حسنا، لأنَّه قد وكدَّ أوّلَ كلامه بأمر معروفْ وقد اختصَّه، فصار بمنزلة قولك: لا قولَك حين جعله مضافا، لأنك قد اختصصتَه من جميع القول بإضافتك، وأنَّه يسوغ أن يكون قولُه باطلا ولا يسوغ أن يكون جميعُ الأقوال باطلا.

ومن ذلك قولك: قد قعد البتّةَ، ولا يُستعمل إلاّ معرفةً بالألف واللام، كما أن جهدك وأجدك لا يُستعملان إلاَّ معرفةً بالإِضافة.

وأمّا الحقُّ والباطل فيكونان معرفةً بالألف واللام ونكرةً؛ لأنهما لم

يُنزَلا منزلةَ ما لم يَتمكّن من المصادر كسُبْحانَ وسَعْدَيْك، ولكنَّهم أَنزلوهما منزلةَ الظنَّ، وكذلك اليَقين لأنَّك تحقَّقُ به كما تَفعل ذلك بالحقّ. فأَنْزِلْ ما ذكْرنا غيرَ هذا بمنزلة عَمْرَك الله وقِعْدَك الله.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.