من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب ما جُعل من الأسماء مصدراً كالمضاف فى الباب الذى يَليه
وذلك قولك: مررتُ به وَحْدَه، ومررتُ بهم وَحْدَهم، ومررتُ برجل وَحْدَه.
ومثل ذلك فى لغة أهل الحجاز: مررتُ بهم ثلاثَتهم وأربعتَهم، وكذلك إلى العَشَرَة.
وزعم الخليل رحمه الله أنه إذا نَصَبَ ثلاثَتهم فكأنَّه يقول: مررتُ بهؤلاءِ فقط، لم أُجاوِزْ هؤلاءِ. كما أنّه إذا قال: وَحْدَه فإِنَّما يريد: مررتُ به فقط لم أُجاوِزْهُ.
وأمّا بنو تميم فُيجْرونه على الاسم الأوّل: إنْ كان جرًّا فجرًّا، وإن كان نصبا فنصباً، وإن كان رفعا فرفعا.
وزعم الخليل أنّ الّذين يُجرونه فكأَنّهم يريدون أن يَعُمُّوا، كقولك: مررتُ بهم كلَّهم، أى لم أَدَعْ منهم أحداً.
وزعم الخليل رحمه الله، حيث مثّلَ نَصْبَ وحدَه وخمستَهم، أنّه كقولك: أَفردتهم إفراداً. فهذا تمثيل، ولكنه لم يُستعمل فى الكلام.
ومثل خمستَهم قول الشماخ:
أتتني سليم قضها بقضيضهاتمسح حولي بالبقيع سبالها
كأَنّه قال: انقضاضَهم، " أى " انقضاضاً. ومررتُ بهم قضهم بقضيضهم،
كأَنّه يقول: مررتُ بهم انقضاضاً. فهذا تمثيل وإن لم يُتكلَّم به كما كان إفراداً تمثيلا.
وإنّما ذَكرنا الإِفرادَ فى وَحْدَه، والانقضاضَ فى قَضَّهم، لأنَّه إذا قال: قضَّهم فهو مشتق من في معنى الانقضاض، لأنّه كأَنه يقول: انقَضَّ آخرهم على أوّلِهم. وكذلك وَحْدَه إنَّما هو من معنى التفرُّدِ، فكذلك أيضاً يكونُ خمستَهم نصباً إذا أردتَ معنى الانفراد، فإِنْ أردتَ أنَّك لم تَدَعْ منهم أحداً جررتَ، كما كان ذلك فى قَضَّهم.
وبعضُ العرب يَجعل قَضَّهم بمنزلة كلَّهم، يُجريه على الوجوه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع