من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب الجَرّ
والجرُّ إنما يكون فى كلّ اسمٍ مضافٍ إليه. واعلم أنّ المضاف إليه ينجر بثلاثة أشياء: بشيء ليس باسم ولا ظرف، وبشيء يكون ظرفا، وباسم لا يكون ظرفا.
فأمّا الذى ليس باسم ولا ظرف فقولك: مررتُ بعبدِ الله، وهذا لعبدِ الله، وما أنت كزيدٍ، ويالَبَكْرٍ، وتَاللهِ لا أفعلُ ذاك ومِنْ وفي
ومُذْ، وعنْ ورُب وما أشبه ذلك، وكذلك أخذتُه عن زيدٍ، وإلى زيدٍ.
وأمّا الحروفُ التى تكون ظرفاً فنحو خَلفَ وأَمامَ، وقدام ووراء، وفوق وتحت، وعند وقبل، ومع وعلى، لأنك تقول: من عليك، كما تقول: من فوقك، وذهب من معه.
وعن أيضاً ظرف بمنزلة ذات اليمين والناحية. ألا ترى أنك تقول: من عن يمينك، كما تقول: من ناحية كذا وكذا.
وقبالة، ومكانك، ودون، وقبل، وبعد، وإزاء، وحذاء، وما أشبه هذا من الأمكنة والأزمنة. وذلك قولك: أنت خلف عبد الله، وأمام زيد، وقُدّام أخيك، وكذلك سائُر هذه الحروف.
وهذه الظروفُ أسماءٌ، ولكنها صارت مواضعَ للأشياءِ.
وأمّا الأسماءُ فنحوُ: مِثلٍ، وغَيرٍ، وكُلَّ، وبَعْضٍ. ومثلُ ذلك أيضاً الأسماءُ المختصَّةُ نحوُ: حِمارٍ، وجِدارٍ، ومالٍ، وأَفعَلَ نحوَ قولك: هذا أَعْمَلُ الناس، وما أشبه هذا من الأسماء كلَّها، وذلك قولك: هذا مِثْلُ عبدِ الله، وهذا كل مالك وبعض، وهذا حمار زيد وجدار أخيك، ومال عمرو. وهذا أَشَدُّ الناسِ.
وأمَّا الباء وما أشبهها فليست بظروف ولا أسماءٍ، ولكنَّها يضاف بها
إلى الاسم ما قبله أو ما بعده. فإِذا قلتَ: يا لَبَكْرٍ فإِنَّما أردت أن تَجعل ما يَعمل فى المُنادَى من الفعل المضمر مُضافا إلى بكرٍ باللام.
وإذا قلتَ: مررتُ بزيدٍ، فإِنَّما أضفتَ المرورَ إلى زيد بالباء، وكذلك هذا لِعبدِ الله. وإذا قلت: أنت كعبدِ الله، فقد أضفتَ إلى عبد الله الشبَهَ بالكاف. وإذا قلت: أخذتُه من عبدِ الله فقد أضفتَ الأَخذَ إلى عبد الله بِمن. وإذا قلت: مُذْ زمانٍ فقد أضفتَ الأمرَ إلى وقتٍ من الزمان " بمُذ ". وإذا قلت: أنت فى الدارِ فقد أضفت كينونتَك فى الدار إلى الدار بِفى. وإذا قلت: فيك خصلة سوء، فقد أضفت إليه الرَّداءَةَ بفِى. وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب. وإذا قلت: بالله والله وتالله فإِنما أضفتَ الحَلْفَ إلى الله سبحانه. كما أضفتَ النداءَ باللام إلى بكرٍ حينَ قلت: يالَبَكْرٍ. وكذلك رَوَيتُه عن زيدٍ، أضفتَ الرواية إلى زيد بعن.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع