من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
باب ما جرى من الأسماء التي تكون صفة مجرى الأسماء التي لا تكون صفة
وذلك أفعلُ منه ومثلُك وأخواتُهما، وحسبُك من رجلٍ، وسواءٌ عليه الخيرُ والشر، وأيُّما رجلٍ، وأبو عَشَرةٍ، وأبٌ لك وأخٌ لك وصاحبٌ لك، وكلُ رجل، وأفعلُ شيء نحو خيرُ شيء وأفضلُ شيء، وأفعلُ ما يكون، وأفعلُ منك.
وإنما صار هذا بمنزلة الأسماء التي لا تكون صفة من قبَل أنها ليست بفاعلة، وأنها ليست كالصفات غير الفاعلة، نحو حَسَنٍ وطويل وكريم،
من قبل أن هذه تُفرَد وتؤنث بالهاء كما يُؤنّث فاعلٌ، ويدخلها الألف واللام وتضاف إلى ما فيه الألف واللام، وتكون نكرة بمنزلة الاسم الذي يكون فاعلا حين تقول هذا رجلٌ ملازمُ الرجل. وذلك قولك: هذا حسنُ الوجه.
ومع ذلك أنك تدخِل على حسَن الوجه الألف واللام فتقول: الحسنُ الوجه، كما تقول الملازم الرجل. فحسنٌ وما أشبهه يتصرف هذا التصرف. ولا تستطيع أن تُفرد شيئا من هذه الأسماء الأُخَر، لو قلت: هذا رجلٌ خيرٌ، وهذا رجلٌ أفضلُ، وهذا رجلٌ أبٌ، لم يستقم ولم يكن حسنا.
وكذلك أيٌّ. لا تقول: هذا رجلٌ أيٌّ.
فلما أضفتَهنّ وأوصلتَ إليهن شيئا حَسُنّ وتممنَ به، فصارت الإضافة وهذه اللواحقُ تحسنه. ولا تستطيع أن تدخِل الألف واللام على شيء منها كما أدخلتَ ذلك على الحسن الوجه، ولا تنون ما تنون منه على حد تنوين الفاعل فتكون بالخيار في حذفه وتركه، ولا تؤنث كما تؤنث الفاعل فلم يَقوَ قوة الحَسَن إذا لم يُفرد إفرادَه. فلما جاءت مضارعة للاسم الذي لا يكون صفة البتة إلا مستكرَهاً، كان الوجهُ عندهم فيه الرفعَ إذا كان النعتُ للآخِر، وذلك قولك: مررتُ برجلٍ حسنٌ أبوه.
ومع ذلك أيضا أن الابتداء يحسُن فيهن، تقول: خيرٌ منك زيدٌ، وأبو عشرةٍ زيدٍ، وسواءٌ عليه الخيرُ والشر. ولا يحسن الابتداء في قولك: حسنٌ زيد.
فلما جاءت مضارعة للأسماء التي لا تكون صفة وقَويت في الابتداء
كان الوجه فيها عندهم الرفعَ، إذا كان النعت للآخِر. وذلك قولك: مررت برجلٍ خيرٌ منه أبوه، ومررتُ برجل سواءٌ عليه الخيرُ والشر، ومررت برجل أبٌ لك صاحبُه، ومررت برجل حَسبُك من رجلٍ هو، ومررتُ برجل أيُّما رجل هو.
وإن قلت: مررتُ برجلٍ حسبُك به من رجلٍ رفعلتَ أيضا.
وزعم الخليل رحمه الله أن به ههنا منزلة هو، ولكن هذه الباء دخلت ههنا توكيدا كما قال: كفى الشيبُ والإسلامُ وكفى بالشيب والإسلام.
فإن قلت: مررتُ برجل شديدٍ عليه الحر والبردُ جررتَ، من قبل أن شديدا قد يكون صفة وحدَه مستغنيا عن عليه، وعن ذكر الحر والبرد، ويدخل في جميع ما دخل الحَسنُ.
وإن قلت: مررت برجلٍ سواءٍ في الخير والشر جررت، لأن هذا من صفة الأول، فصار كقولك: مررتُ برجلٍ خيرٍ منك.
وإن قلت: مررتُ برجل مُستوٍ عليه الخيرُ والشر جررتَ أيضا لأنه صار عملا بمنزلة قولك: مررتُ برجلٍ مفضّضٍ سيفُه، ومررتُ برجل مسمومٍ شرابُه؛ ويدخله جميعُ ما يدخل الحَسنَ. فإذا قلت سمٌّ وفضّةٌ رفعت.
وتقول: مررت برجل سواءٌ أبوه وأمه، إذا كنت تريد أنه عدلٌ وتقول: مررت برجل سواءٌ درهمُه، كأنك قلت: مررت برجل تامٍ درهمُه.
وزعم يونس أن ناسا من العرب يجرون هذا كما يجرون مررتُ برجلٍ خَزٍّ صُفَّتُه.
ومما يقويك في رفع هذا أنك لا تقول مررتُ بخيرٍ منه أبوه، ولا بسواء عليه الخير والشر، كما تقول بحسَنٍ أبوه.
وتقول: مررتُ برجل كلُّ ماله درهمان، لا يكون فيه إلا الرفع؛ لأن كل مبتدأ والدرهمان مبنيان عليه. فإن أردت بقولك: مررت برجلٍ أبي عشرةٍ أبوه جاز، لأنه قد يوصف به، تقول هذا مال كلُّ مالٍ. وليس استعماله وصفا بقوة أبي عشرةٍ ولا كثرته، وليس بأبعد من مررت برجل خز صُفته، ولا قاعٍ عرْفجٍ كلُّ.
ومن جواز الرفع في هذا الباب أني سمعت رجلين من العرب عربيين
يقولان: كان عبد الله حسبُك به رجلا. وهذا أقرب إلى أن يكون فيه الإجراء على الأول إذا كان في الخز والفضة؛ لأن هذا يوصَف به ولا يوصَف بالخز ونحوه.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع