من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة
وذلك قولك: هذا عبد الله منطلقٌ، حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب عمن يوثق به من العرب.
وزعم الخليل رحمه الله أن رفعه يكون على وجهين:
فوجهٌ أنك حين قلت: هذا عبد الله أضمرت هذا أو هو، كأنك قلت هذا منطلق أو هو منطلق. والوجه الآخر: أن تجعلهما جميعا خبرا لهذا، كقولك: هذا حلوٌ حامضٌ، لا تريد أن تنقض الحلاوة، ولكنك تزعم أنه جمع الطعمين. وقال الله عز واجلّ: " كلا إنها لظى. نزاعة للشوى ". وزعموا أنها في قراءة أبى عبد الله. " هذا بعلى شيخٌ ".
قال: سمعنا ممن يروى هذا الشعر من العرب يرفعه:
من يكُ ذا بتّ فهذا بتّيمقيّظٌ مصيّفٌ مُشَتِّى
وأما قول الأخطل:
ولقد أبيتُ من الفتاة بمنزلفأبيتُ لا حرجٌ ولا محرومُ
فزعم الخليل رحمه الله أن هذا ليس على إضمار أنا. ولو جاز هذا على
إضمار أنا لجاز: كان عبد الله لا مسلمٌ ولا صالح على إضمار هو. ولكنه فيما زعم الخليل رحمه الله: فأبيت بمنزلة الذي يقال لا حرجٌ ولا محروم. ويقويه في ذلك قوله، وهو الربيع الأسدى:
على حين أنْ كانتْ عُقَيلٌ وشائِظاوكانتْ كلابٌ خامِرِى أمَّ عامرِ
فإنما أراد: كانت كلاب التي يقال لها خامرى أم عامر.
وقد زعم بعضهم أن رفعه على النفى، كأنه قال: فأبيتُ لا حرج ولا محروم بالمكان الذي أنا به. وقال الخليل رحمه الله: كأنه حكاية لما كان يُتكلّم به قبل ذلك، فكأنه حكى ذلك اللفظ، كما قال:
كذَبْتُم وبيتِ الله لا تنكحونَهابني شابَ قرناها تصُرُّ وتحلُبُ
أى بنى من يقال له ذلك.
والتفسير الآخر الذي على النفى كأنه أسهل.
وقد يكون رفعه على أن تجعل عبد الله معطوفا على هذا كالوصف، فيصير كأنه قال: عبد الله منطلقٌ. وتقول: هذا زيدٌ رجلٌ منطلقٌ على البدل، كما قال تعالى جدُّه: " بالناصية. ناصيةٍ كاذبةٍ ". فهذه أربعة أوجه فى الرفع.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع