من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
هذا باب الواو
اعلم أن الواو ينتصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء، وأنها قد تشرك بين الأول والآخر كما تشرك الفاء، وأنها يستقبح فيها أن تشرك بين الأول والآخر كما استقبح ذلك في الفاء، وأنها يجئ ما بعدها مرتفعاً منقطعاً من الأول كما جاء ما بعد الفاء.
واعلم أن الواو وإن جرت هذا المجرى فإن معناها ومعنى الفاء مختلفان ألا ترى الأخطل قال:
لاتنه عن خُلُقٍ وتأْتِيَ مِثْلَهُعارٌ عليك إذا فعلت عظيم
فلو دخلت الفاء ههنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد لا يجتمعنّ النهي والإتيان، فصار تأتي على إضمار أن.
ومما يدلك أيضاً على أن الفاء ليست كالواو قولك: مررت بزيد وعمرو، ومررت بزيد فعمرو، تريد أن تعلم بالفاء أن الآخر مر به بعد الأول.
وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فلو أدخلت الفاء ههنا فسد المعنى. وإن شئت جزمت على النهي في غير هذا الموضع. قال جرير:
ولا تشتم المَوْلَى وتَبْلُغْ أَذاتَهفإنك إن تَفعلْ تُسَفَّهْ وتَجْهَلِ
ومنعك أن ينجزم في الأول لأنه إنما أراد أن يقول له: لا تجمع بين
اللبن والسمك، ولا ينهاه أن يأكل السمك على حدةٍ ويشرب اللبن على حدةٍ، فإذا جزم فكأنه نهاه أن يأكل السمك على كل حال أو يشرب اللبن على كل حال.
ومثل النصب في هذا الباب قول الحطيئة:
أَلم أَكُ جارَكُمْ ويَكونَ بينيوبينَكُم الموَدّةُ والإخاءُ
كأنه قال: ألم أك هكذا ويكون بيني وبينكم. وقال دريد بن الصمة:
قتلتُ بعبد الله خيرَ لِداتِهِذُؤَاباً فلم أفخر بذاك وأجزعا
وتقول: لا يسعني شئ ويعجز عنك، فانتصاب الفعل هاهنا من الوجه الذي انتصب به في الفاء، إلا أن الواو لا يكون موضعها في الكلام موضع الفاء.
وتقول: ائتني وآتيك، إذا أردت ليكن إتيانُ منك وأن آتيك، تعني إتيانٌ منك وإتيانٌ مني. وإن أردت الأمر أدخلت اللام كما فعلت ذلك في الفاء حيث قلت: ائتني فلأحدثك، فتقول ائتني ولآتك.
ومن النصب في هذا الباب قوله عز وجل: " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين "، وقد قرأها بعضهم: " ويعلم الصابرين ".
وقال تعالى: " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون "، إن شئت جعلت وتكتموا على النهي، وإن شئت جعلته على الواو.
وقال تعالى: " ياليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين ". فالرفع على وجهين: فأحدهما أن يشرك الآخر الأول. والآخر على قولك: دعني ولا أعود، أي فإني ممن لا يعود، فإنما يسأل الترك وقد أوجب على نفسه أن لا عودة له البتة ترك أو لم يترك، ولم يرد أن يسأل أن يجتمع له الترك وأن لا يعود. وأما عبد الله بن أبي إسحاق فكان ينصب هذه الآية.
وتقول: زرني وأزورك، أي أنا ممن قد أوجب زيارتك على نفسه، ولم ترد أن تقول لتجتمع منك الزيارة وأن أزورك، تعني لتجتمع منك الزيارة فزيارةٌ مني، ولكنه أراد أن يقول زيارتك واجبةٌ على كل حال، فلتكن منك زيارةٌ. وقال الأعشى:
فقلتُ ادْعِي وأدُعْو إنَّ أنْدَىلِصَوْتٍ أنْ يُنادِيَ دَاعِيانِ
ومن النصب أيضاً قوله:
لَلُبْسُ عَباءةٍ وتَقَرَّ عينيأحبُّ إلىّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ
لما لم يستقم أن تحمل وتقر وهو فعلٌ على لبس وهو اسمٌ، لما ضممته إلى الاسم، وجعلت أحب لهما ولم ترد قطعه، لم يكن بدٌ من إضمار أن. وسترى مثله مبيناً.
وسمعنا من ينشد هذا البيت من العرب، وهو لكعبٍ الغنوي:
وما أنا للشيء الذي ليس نافِعِيويَغْضَبَ منه صاحِبي بقَؤُولِ
والرفع أيضاً جائزٌ حسن، كما قال قيس بن زهير بن جذيمة:
فلا يَدْعُني قومي صَريحاً لُحرّةٍلئن كنتُ مقتولا ويَسْلمُ عامرُ
ويغضب معطوف على الشيء، ويجوز رفعه على أن يكون داخلاً في صلة الذي.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع