تجاوز إلى المحتوى

من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)

هذا باب آخر من أبواب أن

تقول: جئتك أنك تريد المعروف، إنَّما أراد: جئتك لأنك تريد المعروف، ولكنك حذفت اللام ههنا كما تحذفها من المصدر إذا قلت:

وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكريمِ أّدِخارهوأُعْرِضُ عن ذَنْب الَّلئيم تكرُّمَا

أي: لادخاره.

وسألت الخليل عن قوله جل ذكره: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربُّكم فاتقون "، فقال: إنَّما هو على حذف

اللام، كأنه قال: ولأن هذه أمتكم أمةً واحدةً وأنا ربُّكم فاتقون.

وقال: ونظيرها: " لإيلاف قريشٍ " لأنه إنما هو: لذلك " فليعبدوا ".

فإن حذفت اللام من أن فهو نصبٌ، كما أنَّك لو حذفت اللام من لإيلاف كان نصباً. هذا قول الخليل. ولو قرؤها: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " كان جيداً، وقد قرىء.

ولو قلت: جئتك إنَّك تحب المعروف، مبتدأ كان جيداً.

وقال سبحانه وتعالى: " فدعا ربه أنِّي مغلوبٌ فانتصر ". وقال: " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أنَّي لكم نذير مبين "، إنما أراد بأنِّي مغلوبٌ، وبأنيِّ لكم نذيرٌ مبين، ولكنه حذف الباء. وقال أيضاً: " وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الَّله أحدا " بمنزلة: " وإن هذه أمتكم أمة واحدة "، والمعنى: ولأن هذه أمتكم فاتقون، ولأن المساجد لله فلا تدعوا مع الَّله أحداً.

وأما المفِّسرون فقالوا: على أوحي، كما كان " وأنه لما قام عبد الله يدعوه " على أوحي. ولو قرئت: وإن المساجد لله كان حسناً.

واعلم أن هذا البيت ينشد على وجهين على إرادة اللام، وعلى الابتداء. قال الفرزدق.

منعتٌ تميماً منك أنِّى أنا ابنُهاوشاعرُها المعروفُ عند المَواسِمِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «تحن بزوراء المدينة ناقتي»

وسمعنا من العرب من يقول: إنِّي أنا ابنها.

وتقول: لبيك إن الحمد والنعمة لك، وإن شئت قلت أن. ولو قال إنسان: إن " أنَّ في موضع جرٍّ في هذه الأشياء، ولكنه حرفٌ كثر استعماله في كلامهم، فجاز فيه حذف الجار كما حذفوا رب في قولهم:

وبلدٍ تَحْسَبُه مَكْسُوحاً

لكان قولاً قوياً. وله نظائر نحو قوله: لاه أبوك والأول قول الخليل. ويقوي ذلك قوله: " وأن المساجد لله "؛ لأنهم لا يقدِّمون أنّ

ويبتدئونها ويعملون فيها ما بعدها. إلا أنه يحتجُّ الخليل بأن المعنى معنى اللام. فإذا كان الفعل أو غيره موصلاً إليه باللام جاز تقديمه وتأخيره، لأنه ليس هو الذي عمل فيه في المعنى، فاحتملوا هذا المعنى كما قال: حسبك ينم الناس؛ إذ كان فيه معنى الأمر. وسترى مثله، ومنه ما قد مضى.

النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الكتاب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.