من «الكتاب» لسيبويه (ت ١٨٠هـ)
باب ما جاء من المصادر على فعول
وذلك قولك: توضأت وضوءاً حسناً، وأولعت به ولوعا.
وسمعنا من العرب من يقول: وقدت النار وقوداً عالياً، وقبله قبولا، والوقود أكثر. والوقود: الحطب.
وتقول: إن على فلان لقبولا، فهذا مفتوح.
ومما جاء مخالفاً للمصدر لمعنى قولهم: أصاب شبعه، وهذا شبعه، إنما يريد قدر ما يشبعه. وتقول: شبعت شبعاً، وهذا شبعٌ فاحشٌ، إنما تريد الفعل. وطعمت طعماً حسناً، وليس له طعمٌ، إنما يريد ليس للطعام طيبٌ.
وتقول: ملأت السقاء ملئاً شديداً، وهو ملء هذا، أي قدر ما يملأ هذا.
وقد يجيىء غير مخالف، تقول: رويت رياً وأصاب ريه، وطعمت طعماً وأصاب طعمه، ونهل نهلاً وأصاب نهله.
وتقول: خرصه خرصاً، وما خرصه، أي ما قدره. وكذلك الكيلة.
وقالوا: قته قوتاً. والقوت: الرزق، فلم يدعوه على بناء واحد، كما قالوا: الحلب في الحليب والمصدر. وقد يقولون الحلب وهم يعنون اللبن. ويقولون: حلبت حلباً يريدون الفعل الذي هو مصدر.
فهذه أشياء تجيء مختلفة ولا تطرد.
وقالوا: مريتها مرياً، إذا أرادوا عمله. ويقول: حلبتها مرية لا يريد فعلة، ولكنه يريد نحواً من الدرة والحلب.
وقالوا لعنةٌ للذي يلعن. واللعنة المصدر. وقالوا: الخلق، فسووا بين المصدر والمخلوق. فاعرف هذا النحو وأجره على سبيله.
وقالوا: كرع كروعاً. والكرع: الماء الذي يكرع فيه.
وقالوا: درأته درءاً، وهو ذو تدرإٍ، أي ذو عدة ومنعةٍ؛ لا تريد العمل.
وكاللعنة السبة، إذا أرادوا المشهور بالسب واللعن، فأجروه مجرى الشهرة.
وقد يجيء المصدر على المفعول، وذلك قولك: لبنٌ حلبٌ، إنما تريد محلوبٌ وكقولهم: الخلق إنما يريدون المخلوق. ويقولون للدرهم: ضرب الأمير، إنما يريدون مضروب الأمير.
ويقع على الفاعل، وذلك قولك يومٌ غمٌّ، ورجلٌ نومٌ، إنما تريد النائم والغام.
وتقول: ماءٌ صرى، إنما تريد صرٍ خفيفٌ إذا تغير اللبن في الضرع. وهو صري. فتقول: هذا اللبن صري وصرٍ.
وقالوا: معشرٌ كرمٌ، فقالوا هذا كما يقولون: هو رضى، وإنما يريدون المرضي، فجاء للفاعل كما جاء للمفعول. وربما وقع على الجميع.
وجاء واحد الجميع على بنائه وفيه هاء التأنيث، كما قالوا: بيضٌ وبيضةٌ وجوزٌ وجوزةٌ، وذلك قولك: هذا شمطٌ وهذه شمطةٌ، وهذا شيبٌ وهذه شيبةٌ.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة بتحقيق عبد السلام محمد هارون، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع