تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الفصل الثامن والثلاثون في الجباية وسبب قلتها وكثرتها

اعلم أنّ الجباية أوّل الدّولة تكون قليلة الوزائع كثيرة الجملة وآخر الدّولة تكون كثيرة الوزائع قليلة الجملة والسّبب في ذلك أنّ الدّولة إن كانت على سنن الدّين فليست تقتضي إلّا المغارم الشّرعيّة من الصّدقات والخراج والجزية وهي قليلة الوزائع لأنّ مقدار الزّكاة من المال قليل كما علمت وكذا زكاة الحبوب والماشية وكذا الجزية والخراج وجميع المغارم الشّرعيّة وهي حدود لا تتعدّى وإن كانت على سنن التّغلّب والعصبيّة فلا بدّ من البداوة في أوّلها كما تقدّم والبداوة تقتضي المسامحة والمكارمة وخفض الجناح والتّجافي عن أموال النّاس والغفلة عن تحصيل ذلك إلّا في النّادر فيقلّ لذلك مقدار الوظيفة الواحدة والوزيعة الّتي تجمع الأموال من مجموعها وإذا قلّت الوزائع والوظائف على الرّعايا نشطو للعمل ورغبوا فيه فيكثر الاعتمار ويتزايد لحصول الاغتباط بقلّة المغرم وإذا كثر الاعتمار كثرت أعداد تلك الوظائف والوزائع فكثرت الجباية الّتي هي جملتها فإذا استمرّت الدّولة واتّصلت وتعاقب ملوكها واحدا بعد واحد واتّصفوا بالكيس وذهب سرّ البداوة والسّذاجة وخلقها من الإغضاء والتّجافي وجاء الملك العضوض والحضارة الدّاعية إلى الكيس وتخلّق أهل الدّولة حينئذ بخلق التّحذلق وتكثّرت عوائدهم وحوائجهم بسبب ما انغمسوا فيه من النّعيم والتّرف فيكثّرون الوظائف والوزائع حينئذ على الرّعايا والأكرة والفلّاحين وسائر أهل

المغارم ويزيدون في كلّ وظيفة ووزيعة مقدارا عظيما لتكثر لهم الجباية ويضعون المكوس على المبايعات وفي الأبواب كما نذكر بعد ثمّ تتدرّج الزّيادات فيها بمقدار بعد مقدار لتدرّج عوائد الدّولة في التّرف وكثرة الحاجات والإنفاق بسببه حتّى تثقل المغارم على الرّعايا وتهضمهم وتصير عادة مفروضة لأنّ تلك الزّيادة تدرّجت قليلا قليلا ولم يشعر أحد بمن زادها على التّعيين ولا من هو واضعها إنّما ثبت على الرّعايا في الاعتمار لذهاب الأمل من نفوسهم بقلّة النّفع إذا قابل بين نفعه ومغارمه وبين ثمرته وفائدته فتنقبض كثير من الأيدي عن الاعتمار جملة فتنقص جملة الجباية حينئذ بنقصان تلك الوزائع منها وربّما يزيدون في مقدار الوظائف إذا رأوا ذلك النّقص في الجباية ويحسبونه جبرا لما نقص حتى تنتهي كلّ وظيفة ووزيعة إلى غاية ليس وراءها نفع ولا فائدة لكثرة الإنفاق حينئذ في الاعتمار وكثرة المغارم وعدم وفاء الفائدة المرجوّة به فلا تزال الجملة في نقص ومقدار الوزائع والوظائف في زيادة لما يعتقدونه من جبر الجملة بها إلى أن ينتقص العمران بذهاب الآمال من الاعتمار ويعود وبال ذلك على الدّولة لأنّ فائدة الاعتمار عائدة إليها وإذا فهمت ذلك علمت أنّ أقوى الأسباب في الاعتمار تقليل مقدار الوظائف على المعتمرين ما أمكن فبذلك تنبسط النّفوس إليه لثقتها بإدراك المنفعة فيه والله سبحانه وتعالى «مالك الأمور كلها وبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ »

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث من الكتاب الأول في الدول العامة والملك والخلافة والمراتب السلطانية وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه قواعد ومتممات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.