تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الفصل الخامس عشر في تأثل العقار والضياع في الأمصار وحال فوائدها ومستغلاتها

اعلم أنّ تأثّل العقار والضّياع الكثيرة لأهل الأمصار والمدن لا يكون دفعة واحدة ولا في عصر واحد إذ ليس يكون لأحد منهم من الثّروة ما يملك به الأملاك الّتي تخرج قيمتها عن الحدّ ولو بلغت أحوالهم في الرّفه ما عسى أن تبلغ.

وإنّما يكون ملكهم وتأثّلهم لها تدريجا إمّا بالوراثة من آبائه وذوي رحمه حتّى تتأدّى أملاك الكثيرين منهم إلى الواحد وأكثر لذلك أو أن يكون بحوالة الأسواق فإنّ العقار في آخر الدّولة وأوّل الأخرى عند فناء الحامية وخرق السّياج وتداعي المصر إلى الخراب تقلّ الغبطة به لقلّة المنفعة فيها بتلاشي الأحوال فترخص قيمها وتتملّك بالأثمان اليسيرة وتتخطّى بالميراث إلى ملك آخر وقد استجدّ المصر شبابه باستفحال الدّولة الثانية وانتظمت له أحوال رائقة حسنة تحصل معها الغبطة في العقار والضياع لكثرة منافعها حينئذ فتعظم قيمها ويكون لها خطر لم يكن في الأوّل. وهذا معنى الحوالة فيها ويصبح مالكها من أغنى أهل المصر وليس ذلك بسعيه واكتسابه إذ قدرته تعجز عن مثل ذلك. وأمّا فوائد

العقار والضّياع فهي غير كافية لمالكها في حاجات معاشه إذ هي لا تفي بعوائد التّرف وأسبابه وإنّما هي في الغالب لسدّ الخلّة وضرورة المعاش. والّذي سمعناه من مشيخة البلدان أنّ القصد باقتناء الملك من العقار والضّياع إنّما هو الخشية على من يترك خلفه من الذّرّيّة الضّعفاء ليكون مرباهم به ورزقه فيه ونشؤهم بفائدته ما داموا عاجزين عن الاكتساب فإذا اقتدروا على تحصيل المكاسب سعوا فيها بأنفسهم وربّما يكون من الولد من يعجز عن التّكسّب لضعف في بدنه أو آفة في عقله المعاشيّ فيكون ذلك العقار قواما لحاله. هذا قصد المترفين في اقتنائه.

وأمّا التّموّل منه وإجراء أحوال المترفين فلا. وقد يحصل ذلك منه للقليل أو النّادر بحوالة الأسواق وحصول الكثرة البالغة منه والعالي في جنسه وقيمته في المصر إلّا أنّ ذلك إذا حصل ربّما امتدّت إليه أعين الأمراء والولاة واغتصبوه في الغالب أو أرادوه على بيعه منهم ونالت أصحابه منه مضارّ ومعاطب والله غالب على أمره وهو ربّ العرش العظيم.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الرابع من الكتاب الأول في البلدان والأمصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه سوابق ولواحق

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.