من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
الفصل السادس عشر في حاجات المتمولين من أهل الأمصار إلى الجاه والمدافعة
وذلك أنّ الحضريّ إذا عظم تموّله وكثر للعقار والضّياع تأثّله وأصبح أغنى أهل المصر ورمقته العيون بذلك وانفسحت أحواله في التّرف والعوائد زاحم عليها الأمراء والملوك وغصّوا به. ولما في طباع البشر من العدوان تمتدّ أعينهم إلى تملّك ما بيده وينافسونه فيه ويتحيّلون على ذلك بكلّ ممكن حتّى يحصّلوه في ربقة حكم سلطانيّ وسبب من المؤاخذة ظاهر ينتزع به ماله وأكثر الأحكام
السّلطانيّة جائزة في الغالب إذ العدل المحض إنّما هو في الخلافة الشّرعيّة وهي قليلة اللّبث قال ﷺ: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثمّ تعود ملكا عضوضا». فلا بدّ حينئذ لصاحب المال والثّروة الشّهيرة في العمران من حامية تذود عنه وجاه ينسحب عليه من ذي قرابة للملك أو خالصة له أو عصبيّة يتحاماها السّلطان فيستظلّ هو بظلّها ويرتع في أمنها من طوارق التّعدّي. وإن لم يكن له ذلك أصبح نهبا بوجوه التّخيّلات وأسباب الحكّام. وَالله يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع