من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)
الفصل السابع عشر في أن الصنائع إنما تكمل بكمال العمران الحضري وكثرته
والسّبب في ذلك أنّ النّاس ما لم يستوف العمران الحضريّ وتتمدّن المدينة إنّما همّهم في الضّروريّ من المعاش وهو تحصيل الأقوات من الحنطة وغيرها. فإذا تمدّنت المدينة وتزايدت فيها الأعمال ووفت بالضّروريّ وزادت عليه صرف الزّائد حينئذ إلى الكمالات من المعاش. ثمّ إنّ الصّنائع والعلوم إنّما هي للإنسان من حيث فكره الّذي يتميّز به عن الحيوانات والقوت له من حيث الحيوانيّة والغذائيّة فهو مقدّم لضروريّته على العلوم والصّنائع وهي متأخّرة عن الضّروريّ.
وعلى مقدار عمران البلد تكون جودة الصّنائع للتّأنّق فيها حينئذ واستجادة ما يطلب منها بحيث تتوفّر دواعي التّرف والثّروة. وأمّا العمران البدويّ أو القليل فلا يحتاج من الصّنائع إلّا البسيط خاصّة المستعمل في الضّروريّات من نجّار أو حدّاد أو خيّاط أو حائك أو جزّار. وإذا وجدت هذه بعد فلا توجد فيه كاملة ولا مستجادة وإنّما يوجد منها بمقدار الضّرورة إذ هي كلّها وسائل إلى غيرها وليست مقصودة لذاتها. وإذا زخر بحر العمران وطلبت فيه الكمالات كان من جملتها التّأنّق في الصّنائع واستجادتها فكملت بجميع متمّماتها وتزايدت صنائع
أخرى معها ممّا تدعو إليه عوائد التّرف وأحواله من جزّار ودبّاغ وخرّاز وصائغ وأمثال ذلك. وقد تنتهي هذه الأصناف إذا استبحر العمران إلى أن يوجد فيها كثير من الكمالات والتّأنّق فيها في الغاية وتكون من وجوه المعاش في المصر لمنتحلها.
بل تكون فائدتها من أعظم فوائد الأعمال لما يدعو إليه التّرف في المدينة مثل الدّهّان والصّفّار والحمّاميّ والطّبّاخ والشّمّاع والهرّاس ومعلّم الغناء والرّقص وقرع الطّبول على التّوقيع. ومثل الورّاقين الّذين يعانون صناعة انتساخ الكتب وتجليدها وتصحيحها فإنّ هذه الصّناعة إنّما يدعو إليها التّرف في المدينة من الاشتغال بالأمور الفكريّة وأمثال ذلك. وقد تخرج عن الحدّ إذا كان العمران خارجا عن الحدّ كما بلغنا عن أهل مصر أنّ فيهم من يعلّم الطّيور العجم والحمر الإنسيّة ويتخيّل أشياء من العجائب بإيهام قلب الأعيان وتعليم الحداء والرّقص والمشي على الخيوط في الهواء ورفع الأثقال من الحيوان والحجارة وغير ذلك من الصّنائع الّتي لا توجد عندنا بالمغرب. لأنّ عمران أمصاره لم يبلغ عمران مصر والقاهرة. أدام الله عمرانها بالمسلمين. والله الحكيم العليم.
النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع