تجاوز إلى المحتوى

من «مقدمة ابن خلدون» لابن خلدون (ت ٨٠٨هـ)

الفصل السابع والعشرون في صناعة الحياكة والخياطة

اعلم أنّ المعتدلين من البشر في معنى الإنسانيّة لا بدّ لهم من الفكر في الدّفء كالفكر في الكنّ. ويحصل الدفء باشتمال المنسوج للوقاية من الحرّ والبرد. ولا بدّ لذلك من إلحام الغزل حتّى يصير ثوبا واحدا، وهو النّسج والحياكة. فإن كانوا بادية اقتصروا عليه، وإن قالوا إلى الحضارة فصلوا تلك المنسوجة قطعا يقدّرون منها ثوبا على البدن بشكله وتعدّد أعضائه واختلاف نواحيها. ثمّ يلائمون بين تلك القطع بالوصائل حتّى تصير ثوبا واحدا على البدن ويلبسونها.

والصّناعة المحصّلة لهذه الملاءمة هي الخياطة.

هاتان الصّناعتان ضروريّتان في العمران لما يحتاج إليه البشر من الرّفه فالأولى لنسج الغزل من الصّوف والكتّان والقطن إسداء في الطّول وإلحاما في العرض وإحكاما لذلك النّسج بالالتحام الشّديد، فيتمّ منها قطع مقدّرة: فمنها الأكسية من الصّوف للاشتمال، ومنها الثّياب من القطن والكتّان للباس.

والصّناعة الثّانية لتقدير المنسوجات على اختلاف الأشكال والعوائد، تفصّل بالمقراض قطعا مناسبة للأعضاء البدنيّة ثمّ تلحم تلك القطع بالخياطة المحكمة وصلا أو تنبيتا أو تفسّحا على حسب نوع الصّناعة. وهذه الصّناعة مختصّة

بالعمران الحضريّ لما أنّ أهل البدو يستغنون عنها وإنّما يشتملون الأثواب اشتمالا. وإنّما تفصيل الثّياب وتقديرها وإلحامها بالخياطة للباس من مذاهب الحضارة وفنونها. وتفهّم هذه في سرّ تحريم المخيط في الحجّ لما أنّ مشروعيّة الحجّ مشتملة على نبذ العلائق الدّنيويّة كلّها والرّجوع إلى الله تعالى «كما خلقنا أوّل مرّة، حتّى لا يعلّق العبد قلبه بشيء من عوائد ترفه، لا طيبا ولا نساء ولا مخيطا ولا خفّا، ولا يتعرّض لصيد ولا لشيء من عوائده الّتي تلوّنت بها نفسه وخلقه، مع أنّه يفقدها بالموت ضرورة. وإنّما يجيء كأنّه وارد إلى المحشر ضارعا بقلبه مخلصا لربّه. وكان جزاؤه إن تمّ له إخلاصه في ذلك أن يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. سبحانك ما أرفقك بعبادك وأرحمك بهم في طلب هدايتهم إليك. وهاتان الصّنعتان قديمتان في الخليقة لما أنّ الدّفء ضروريّ للبشر في العمران المعتدل. وأمّا المنحرف إلى الحرّ فلا يحتاج أهله إلى دفء.

ولهذا يبلغنا عن أهل الإقليم الأوّل من السّودان أنّهم عراة في الغالب. ولقدم هذه الصّنائع ينسبها العامّة إلى إدريس عليه السلام وهو أقدم الأنبياء. وربّما ينسبونها إلى هرمس وقد يقال إنّ هرمس هو إدريس. والله سبحانه وتعالى هو الخلّاق العليم.

النص من طبعة دار الفكر ببيروت (١٤٠١هـ / ١٩٨١م) بضبط خليل شحادة ومراجعة سهيل زكار، وهو المجلد الأول من «تاريخ ابن خلدون» كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف كلمة الناشر وحواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس من الكتاب الأول في المعاش ووجوبه من الكسب والصنائع وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه مسائل

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.