من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
مثاله
كقول الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
، فبقوله تعالى: «وهو مؤمن» تمّ المعنى.
ونحو قوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
، فبقوله تعالى:
«استقاموا» تم المعنى أيضا؛ وقد دخل تحته جميع الطاعات، فهو من جوامع الكلم.
ونحو قوله تعالى: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ.
ومن النثر قول أعرابية لرجل: كبت الله كلّ عدو لك إلا نفسك. فبقولها:
«نفسك» تم الدعاء؛ لأن نفس الإنسان تجرى مجرى العدو له، يعنى إنها تورطه وتدعوه إلى ما يوبقه.
ومثله قوله الآخر: احرس أخاك إلا من نفسه. وقريب منه قول الآخر: من لك بأخيك كله.
ومن المنظوم قول عمرو بن براق:
فلا تأمننّ الدهر حرّا ظلمتهفما ليل مظلوم كريم بنائم
فقوله: «كريم» تتميم؛ لأن اللئيم يغضى على العار، وينام على الثار، ولا يكون منه دون المظالم تكبر. وقول عمرو بن الأيهم:
بها نلنا الغرائب من سواناوأحرزنا الغرائب أن تنالا
فالذى أكمل جودة المعنى قوله: «وأحرزنا الغرائب أن تنالا».
وقول الآخر:
رجال إذا لم يقبل الحق منهمويعطوه عادوا بالسيوف القواضب
وقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الربيع وديمة تهمى
فقوله: «غير مفسدها» إتمام المعنى، وتحرز من الوقوع فيما وقع فيه ذو الرمة فى قوله:
ألا يا سلمى يا دار مىّ على البلىولا زال منهلّا بجرعائك القطر
فهذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها؛ لأن القطر إذا انهل فيها دائما فسدت؛ ومن العجب أن ذا الرّمة كان يستحسن قول الأعرابية- وقد سألها عن الغيث، فقالت: «غيثا ماشئنا»، وهو يقول خلاف ما يستحسن.
ومن التتميم قول الراعى:
لا خير فى طول الإقامة لامرىءإلّا إذا ما لم يجد متحوّلا
ونحوه قول الآخر:
إذا كنت فى دار يهينك أهلهاولم تك مكبولا بها فتحوّل
وقول الآخر:
ومقام العزيز فى بلد الذّلّإذا أمكن الرحيل محال
فقوله: «إذا أمكن الرحيل» تتميم؛ وقول النّمر:
لقد أصبح البيض الغوانى كأنمايرين إذا ما كنت فيهنّ أجربا
وكنت إذا لاقيتهنّ ببلدةيقلن على النّكراء أهلا ومرحبا
فقوله: «على النكراء» تتميم؛ ولو كانت بينه وبينهن معرفة لم ينكر له منهن أهل ومرحب.
وقول الآخر:
وهل علمت بيتنا إلّا ولهشربة من غيره وأكله
فقوله: «من غيره» تتميم؛ لأن لكل بيت شربة وأكلة من أهله.
وقول الشماخ:
جماليّة لو يجعل السّيف عرضهاعلى حده لا ستكبرت أن تضوّرا
فقوله: «على حده» تتميم عجيب.
ويدخل فى هذا الباب قول الآخر:
وقلّ من جدّ فى أمر يطالبهفاستصحب الصبر إلا فاز بالظفر
وقول الخنساء:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة بهكأنه علم فى رأسه نار
فقولها: «فى رأسه نار» تتميم عجيب؛ قالوا: لم يستوف أحد هذا المعنى استيفاءها، وهو مأخوذ من قول الأعشى:
وتدفن منه الصالحات وإن يسىءيكن ما أساء النار فى رأس كبكبا
إلا أنها أخرجته فى معرض أحسن من معرض الأعشى، فشهر واستفاض، وخمل معها بيت الأعشى ورذل، وهذا دليل على صحة ما قلنا من أنّ مدار البلاغة على تحسين اللفظ، وتجميل الصورة. وقول الآخر:
ألا ليت النهار يعود ليلافإنّ الصبح يأتى بالهموم
حوائج لا نطيق لها قضاءولا ردّا، وروعات الغريم
فقوله: «ولا ردا» تتميم.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع