من «الصناعتين: الكتابة والشعر» لأبي هلال العسكري (ت نحو ٣٩٥هـ)
ضرباه
الالتفات على ضربين؛ فواحد أن يفرغ المتكلم من المعنى، فإذا ظننت أنه يريد أن يجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره به. أخبرنا أبو أحمد، قال: أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال قال الأصمعى: أتعرف التفاتات جرير؟ قلت: لا، فما هى؟ قال:
أتنسى إذ تودّعنا سليمىبعود بشامة سقى البشام
ألا تراه مقبلا على شعره. ثم التفت إلى البشام فدعا له. وقوله:
طرب الحمام بذى الأرك فشاقنىلازلت فى علل وأيك ناضر
فالتفت إلى الحمام فدعا له.
ومنه قول الآخر:
لقد قتلت بنى بكر بربّهمحتى بكيت وما يبكى لهم أحد
فقوله: «وما يبكى لهم أحد» التفات؛ وقول حسان:
إنّ التى ناولتنى فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل
فقوله: «قتلت» التفات.
والضرب الآخر أن يكون الشاعر آخذا فى معنى وكأنه يعترضه شكّ أو ظن أن رادا يردّ قوله، أو سائلا يسأله عن سببه، فيعود راجعا إلى ما قدمه؛ فإما أن يؤكده، أو يذكر سببه، أو يزيل الشك عنه؛ ومثاله قول المعطّل الهذلى:
تبين صلاة الحرب منّا ومنهمإذا ما التقينا والمسالم بادن
فقوله: «والمسالم بادن» رجوع من المعنى الذى قدّمه؛ حتى بيّن أن علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم بادن، والمحارب ضامر.
وقول عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر:
وأجمل إذا ما كنت لابدّ مانعاوقد يمنع الشىء الفتى وهو مجمل
وقول طرفة:
وتصد عنك مخيلة الرجل الشنوف موضحة عن العظم
بحسام سيفك أو لسانك والكلم الأصيل كأرغب الكلم
فكأنه ظن معترضا، يقول له: كيف يكون مجرى اللسان والسيف واحدا؛ فقال:
«والكلم الأصيل كأرغب الكلم»؛ وإنما أخذه من امرىء القيس:
وجرح اللسان كجرح اليد
وأخذه آخر فقال:
والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر
ومن الالتفات قول جدير بن ربعان:
معازيل فى الهيجاء ليسوا بزادةمجازيع عند البأس والحرّ يصبر
فقوله: «والحر يصبر» التفات.
وقول الرّماح بن ميادة:
فلا صرمه يبدو وفى اليأس راحةولا ودّه يصفو لنا فنكارمه
كأنه يقول: «وفى اليأس راحة»، والتفت إلى المعنى لتقديره أن معارضا يقول له: وما تصنع بصرمه؟ فيقول: لأنه يؤدّى إلى اليأس، وفى اليأس راحة.
النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع