تجاوز إلى المحتوى

من «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

الليلة الثلاثون

وقال الوزير- أدام الله أيّامه-: سراويل يذكّر أم يؤنّث، ويصرف أم لا؟

فكان الجواب: أنّ عليّ بن عيسى حدّثنا عن شيخه ابن السّراج قال: سألت المبرّد فقلت: إذا كان الواحد في صيغة الجمع ما يصنع به في الصّرف في مثل شعره هراميل وهذه سراويل وما أشبهه، فقال: ألحقه بالجمع فامنعه الصّرف، لأنّه مثله وشبيهه.

قال: وسألت أحمد بن يحيى عن ذلك، فقال: أخبرنا سلمة عن الفرّاء قال:

ألحقه بأحمد فامنعه الصّرف في المعرفة، واصرفه في النّكرة حتّى يكون بين الواحد والجمع فرق.

وسأل فقال: ما واحد المناخيب والمناجيب وما حكمهما؟

فكان من الجواب: واحد المناخيب منخاب، يمدح به ويذمّ، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من النّخب، وهو الاختيار، وإذا كان ذمّا فهو مأخوذ من النّخبة، وهي الاست. قال: وهكذا المنجاب يكون مدحا وذمّا، فإذا كان مدحا فهو مأخوذ من الانتجاب، وهو الاختيار، وإذا كان ذمّا فهو مأخوذ من النّجب، وهو قشر الشّجر.

قال: ما معنى قولهم: امرأة عروب؟

فكان من الجواب أن محمّد بن يزيد قال- على ما حدّثنا به أبو سعيد وابن السراج عنه- إنّه من الأضداد، وهي المتحبّبة إلى زوجها، وهي الفاسدة، مأخوذ من قولهم: عربت معدته إذا فسدت.

وقال: الضّهياء يمدّ ويقصر؟

فكان من الجواب أن ابن الأعرابيّ قال: الّذي حصّلته عن الأعراب أنّ الضّهياء الممدودة هي التي لا تحيض، وأن المقصورة هي الياسمين، وجمع الأوّل ضهيّ وجمع المقصور ضهايا.

قال: ما معنى المندليّ المطيّر؟

فكان من الجواب: أن ابن الأعرابيّ قال: هو مقلوب المطرّى.

وقال: أنشدني غزلا. فأنشدته ما حضر في الوقت لأعرابيّ:

أمرّ مجنّبا عن بيت سلمىولم ألمم به وبه الغليل
أمرّ مجنّبا وهواي فيهوطرفي عنه منكسر كليل
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أمر مجنيا عن بيت ليلى»
وقلبي فيه مقتتل فهل ليإلى قلبي وقاتله سبيل

وقال: أتحفظ الأبيات التي فيها:

تكفيه فلذة كبد إن ألمّ بهامن الشّواء ويكفي شربه الغمر

فأنشده ابن نباتة، وذاك لأني قلت: ما أحفظ إلا هذا البيت شاهدا، وهو لأعشى باهلة يرثي المنتشر:

إنّي أتتني لسان لا أسرّ بهامن علو عجب منها ولا سخر
للشاعر الدعجاء بنت وهب، من قصيدة «إني أتتني لسان لا أسر بها»
فبتّ مرتفعا للنّجم أرقبهحيران ذا حذر لو ينفع الحذر
وجاشت النفس لمّا جاء جمعهموراكب جاء من (تثليث) معتمر
يأتي على النّاس لا يلوي على أحدحتى التقينا وكانت دوننا (مضر
للشاعر الدعجاء بنت وهب، من قصيدة «إني أتتني لسان لا أسر بها»
نعيت من لا تغبّ الحيّ جفنتهإذا الكواكب أخطأ نوأها المطر
من ليس في خيره شرّ يكدّرهعلى الصّديق ولا في صفوه كدر
طاوي المصير على العزّاء منصلتبالقوم ليلة لا ماء ولا شجر
لا تنكر البازل الكوماء ضربتهبالمشرفيّ إذا ما اجلوّذ السّفر
وتفزع الشّول منه حين تبصرهحتى تقطّع في أعناقها الجرر
لا يصعب الأمر إلا ريث يركبهوكلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر
للشاعر الدعجاء بنت وهب، من قصيدة «إني أتتني لسان لا أسر بها»
يكفيه حزّة فلذان ألمّ بهامن الشّواء ويكفي شربه الغمر
لا يتأرّى لما في القدر يرقبهولا يعضّ على شرسوفه الصّفر
للشاعر أعشى باهلة، من قصيدة «إني أتتني لسان ما أسر بها»
لا يغمز الساق من أين ومن وصبولا يزال أمام القوم يقتفر
للشاعر الدعجاء بنت وهب، من قصيدة «إني أتتني لسان لا أسر بها»
مهفهف أهضم الكشحين منخرقعنه القميص بسير الليل محتقر
للشاعر أعشى باهلة، من قصيدة «إني أتتني لسان ما أسر بها»
عشنا بذلك دهرا ثم فارقناكذلك الرّمح ذو النّصلين ينكسر
لا تأمن الناس ممساه ومصبحهمن كلّ أوب وإن لم يأت ينتظر
إمّا يصبك عدوّ في مناوأةيوما فقد كنت تستعلي وتنتصر
لو لم تخنه نفيل وهي خائنةألمّ بالقوم ورد منه أو صدر
ورّاد حرب شهاب يستضاء بهكما يضيء سواد الطّخية القمر
إمّا سلكت سبيلا كنت سالكهافاذهب فلا يبعدنك الله منتشر
من ليس فيه إذا قاولته رهقوليس فيه إذا ياسرته عسر

النص من طبعة المكتبة العصرية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف ترجمة المؤلف والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الإمتاع والمؤانسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.