تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب التتميم

وهو التمتم أيضاً، وبعضهم يسمي ضرباً منه احتراساً واحتياطاً.

ومعنى التتميم: أن يحاول الشاعر معنى، فلا يدع شيئاً يتم به حسنه إلا أورده وأتى به: إما مبالغة، وإما احتياطاً واحتراساً من التقصير، وينشدون بيت طرفة:

فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الربيع وديمة تهمي
للشاعر المرقش الأصغر، من قصيدة «فسقى ديارك غير مفسدها»

لأن قوله غير مفسدها تتميم للمعنة، واحتراس للديار من الفساد بكثرة المطر. ومثله قول جرير:

فسقاك حيث حللت غير فقيدةهزج الرواح وديمة لا تقلع
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»

فقوله غير فقيدة تتميم لما أراد من دنوها وسقياها غير راحلة ولا ميتة إذ كانت العادة أن يدعى للغائب الميت بالسقي؛ فاحترس من ذلك.

وقد عاب قدامة على ذي الرمة قوله:

ألا يا سلمي يا دار مي على البلاولا زال منهلاً بجرعائك القطر

فإنه لم يحترس كما احترس طرفة، فرد ذلك عليه بأن الشاعر قدم الدعاء بالسلامة للدار في أول البيت، وهذا هو الصواب.. وقال زهير:

من يلق يوماً على علاته هرماًيلق السماحة منه والندى خلقا

قوله على علاته مبالغة وتتميم عجيب.

والأصل في هذا قول الله ﷿: " ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً " فقوله " على حبه " هو التتميم والمبالغة في قول من قال إن الهاء ضمير الطعام، وإن كان كناية عن الله تعالى خرج المعنى عن هذا الباب، وقال الله جل اسمه: " من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة " فتمم بقوله وهو مؤمن " ومن أناشيد قدامة والحاتمي وغيرهما قول نافع بن خليفة الغنوي:

رجال إذا لم يقبل الحق منهمويعطوه عادوا بالسيوف القواضب

قال الحاتمي: فإن المعنى تم بقوله " ويعطوه " وإلا كان ناقصاً.

ويجري مجراه عندي قول عنترة العبسي:

أثني علي كما علمت فإننيسهل مخالفتي إذا لم أظلم

فقوله إذا لم أظلم تتميم حسن.

وقال آخر:

فلا تبعدن إلا من السوء؛ إننيإليك وإن شطت بك الدار نازع

فاستثناؤه " السوء " تتميم واحتراس جيد.

وقال أبو الطيب بن الوشاء:

لئن كان باقي عيشنا مثل ما مضىفللموت إن لم ندخل النار أروح

وقال سراقة البارقي يهجو رهط جرير:

صغار مقاريهم عظام جعورهمبطاء عن الداعي، إذا لم يكن أكلا
للشاعر سُراقة البارقي، اقرأ القصيدة

كأنه قال إذا لم يكن المدعو إليه أكلا.

وقال مريع بن وعوعة الكلابي وقد قتل رجلاً نهشلياً:

وقلت لأصحابي: النجاء؛ فإنمامع الصبح إن لم تسبقوا جمع نهشل

ويجري على هذه الأناشيد قول ابن محكان السعدي حين قدم للقتل:

ولست وإن كانت إلي حبيبةبباكٍ على الدنيا إذا ما تولت
للشاعر مرة بن محكان السعدي، اقرأ القصيدة

فاستثنى وإن كانت إلي حبيبة استثناء مليحاً، ونوى التقديم والتأخير؛ فلذلك جاز له أن يأتي بالضمير مقدماً على مظهره، هكذا قال فيه أبو العباس المبرد، ومن التتميم الحسن قول امرئ القيس:

على هيكل يعطيك قبل سؤالهأفا نين جري غير كز ولا واني
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان»

فقوله قبل سؤاله تتميم حسن لقوله " أفانين حرى " وقول أعشى باهلة: وكل أمر سوى الفحشاء فإنه لا يدبرها.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.