تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب الاستطراد

وهو: أن يرى الشاعر أنه في وصف شيء وهو إنما يريد غيره، فإن قطع أو رجع إلى ما كان فيه فذلك استطراد، وإن تمادى فذلك خروج، وأكثر الناس يسمي الجميع استطراداً، والصواب ما بينته..

وأوضح الاستطراد قول السموأل وهو أول من نطق به حيث يقول:

ونحن أناس لا نرى القتل سبةإذا ما رأته عامر وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لناوتكرهه آجالهم فتطول
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»

واتبعه الناس، فقال الفرزدق وأجاد:

كأن فقاح الأسد حول ابن مسمعإذا اجتمعوا أفواه بكر بن وائل

ثن أتى جرير فأربى وزاد بقوله:

لما وضعت على الفرزدق ميسميوضغا البعيث جدعت أنف الأخطل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

فهجا واحداً واستطرد باثنين..

وقال مخارق بن شهاب المازني يصف معزى:

ترى ضيفها فيها يبيت بغبطةوضيف ابن قيس جائع يتحوب

فوفد ابن قيس هذا على النعمان بن المنذر فقال: كيف المخارق بن شهاب

فيكم؟ فقال: سيد شريف حسبك من رجل يمدح تيسه ويهجو ابن عمه.

ومن جيد الاستطراد قول دعبل بن علي الخزاعي، ويروي لبشار بن برد وهو أصح:

خليلي من كلب أعينا أخاكماعلى دهره، إن الكريم معين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «خليلي من كلب أعينا أخاكما»
ولا تبخلا بخل ابن قزعة؛ إنهمخافة أن يرجى نداه حزين
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «خليلي من كلب أعينا أخاكما»
إذا جئته في الفرط أغلق بابهفلم تلقه إلا وأنت كمين

ويروى في حاجة سد بابه وأنشد البحتري أبو تمام لنفسه في صفة فرس واستطرد يهجو عثمان بن إدريس الشامي:

وسابح هطل التعداء هتانعلى الجراء أمين غير خوان
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وسابح هطل التعداء هتان»
أظمى الفصوص وما تظمى قوائمهفخل عينيك في ظمآن ريان
فلو تراه مشيحاً والحصى زيمتحت السنابك من مثنى ووحدان
أيقنت إن لم تثبت أن حافرهمن صخر تدمر أو من وجه عثمان

فقال له: أتدري ما هذا من الشعر؟ قال: لا أدري، قال: هذا الاستطراد، أو قال: المستطرد.

قال الحاتمي: وقد يقع من هذا الاستطراد ما يخرج به من ذم إلى مدح، كقول زهير:

إن البخيل ملوم حيث كان ولكن الجواد على علاته هرم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

فسمى الخروج استطراداً كما تراه اتساعاً، وأنشد في الخروج بالاستطراد من مدح إلى ذم قول بكر بن النطاح يمدح مالك بن طوق:

عرضت عليها ما أرادت من المنىلترضى، فقالت: قم فجئني بكوكب
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
فقلت لها: هذا التعنت كلهكمن يتشهى لحم عنقاء مغرب
للشاعر البحتري، من قصيدة «عرضت عليها ما تمنى من المنى»
سلي كل أمر يستقيم طلابهولا تسألي يا در في كل مذهب
فأقسم لو أصبحت في عز مالكوقدرته أعيى بما رمت مطلبي
فتى شقيت أمواله بعفاتهكما شقيت قيس بأرماح تغلب

فهذا مليح: أوله خروجه، وآخره استطراد، وملاحته أن مالكاً من بني تغلب فصار الاستطراد زيادة في مدحه، وزعم قوم أنه يمدح مالك بن علي الخزاعي، ومما استطرد أبو الطيب في هجاء كافور:

يموت به غيظاً على الدهر أهلهكما مات غيظاً فاتك وشبيب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

على أن هذا البيت قد يقع موقع غيره من أبيات هذا الباب؛ إذ ليس القصد فيه مدحاً ولا هجاء للرجلين المذكورين، ولكن التشبيه والحكاية لا غير.

وقيل: أصل الاستطراد أن يريك الفارس أنه فر ليكر، وكذلك الشاعر يريد أنه في شيء لم يقصد إليه فذكره ولم يقصد قصده حقيقة إلا إليه.

ومن الاستطراد نوع يسمى الاندماج، وذلك نحو قول عبيد الله بن طاهر لعبد الله بن سليمان بن وهب حين وزر المعتضد:

أبي الدهر من إسعافنا في نفوسناوأسعفنا فيمن نحب ونكرم
فقلت له: نعماك فيهم أتمهاودع أمرنا؛ إن المهم المقدم
للشاعر عبيد الله بن عبدالله بن طاهر، من قصيدة «أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا»

وحكى أحمد بن يوسف الكاتب أنه دخل على المأمون وفي يده كتاب من عمرو بن مسعدة يردد فيه النظر، فقال: لعلك فكرت في ترديدي النظر في هذا الكتاب، قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: إني عجبت من بلاغته واحتياله لمراده " كتبت كتابي إلى أمير المؤمنين أعزه الله ومن قبلي من قواده وأجناده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم واختلت أحوالهم " ألا ترى يا أحمد إدماجه المسألة في الإخبار، وإعفاءه سلطانه من

الإكثار؟ ثم أمر لهم برزق ثمانية أشهر، وهذا النوع أقل في الكلام من الاستطراد المتطرف وأغرب.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.