تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب الترديد

باب الترديد

وهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى، ثم يردها بعينها متعلقة بمعنى آخر في البيت نفسه، أو في قسيم منه، وذلك نحو قول زهير:

من يلق يوماً على علاته هرماًيلق السماحة منه والندى خلقاً

فعلق يلق بهرم، ثم علقها بالسماحة. وكذلك قوله أيضاً:

ومن هاب أسباب المنايا ينلنهولو رام أسباب السماء بسلم

فردد أسباب على ما بينت. ولبعض الحجازيين:

ومن لامني فيهم حبيب وصاحبفرد بغيظٍ صاحب وحميم

وقال مجنون بني عامر:

قضاها لغيري وابتلاني بحبهافهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا
للشاعر خليل مردم بك، من قصيدة «قفا عللا قبل التفرق عانيا»

وقال أبو تمام:

خفت دموعك في إثر القطين لدنخفت من الكثب القضبان والكثب

الترديد في خفت ولو جعلت الكثيب ترديداً لجاز.. وقال ابن المعتز:

لو شئت لا شئت خليت السلو لهوكان لا كان منكم في معافاتي

وقال أيضاً في مثل ذلك:

أتعذلني في يوسفٍ وهو من ترىويوسف أضناني ويوسف يوسف
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «قويت على الهجران حتى مللتني»

ولبعضهم وأظنه الصنوبري:

أنت عذري إذا رأوك، ولكنكيف عذري إذا رأوك تخون
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

الترديد في قوله " إذا رأوك ".. وقال أبو الطيب وأحسن ما شاء:

أمير أمير عليه الندىجواد بخيل بأن لا يجودا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحلما نرى أم زمانا جديدا»

الترديد في أول البيت، وهذا نوع في أشعار المحدثين أكثر منه في أشعار القدماء جداً.

والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميري وتسليم فضيلة هذا الباب إليه في قوله:

ألا حي من أجل الحبيب المغانيالبسن البلى مما لبسن اللياليا
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلةتقاضاه شيء لا يمل التقاضيا

والترديد الذي انفرد فيه بالإحسان عندهم قوله لبسن البلى مما لبسن اللياليا وكذلك قوله إذا ما تقاضى المرء يوماً وليلة ثم قال: تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا لأن الهاء كناية عن المرء، وإن اختلف اللفظ.

ويلحق بهذا قول أبي نواس: لو مسها حجر مسته سراء وقول الحسين بن الضحاك الخليع:

لقد ملأت عيني بغير محاسنملأن فؤادي لوعةً وهموما

لقرب ما بين اللفظتين، وكذلك قول الطائي:

راح إذا ما الراح كان مطيهاكانت مطايا الشوق في الأحشاء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

ردد مطيها ومطايا الشوق. وعلى هذا يحمل قول الجحاف بن حكيم، وقيل: العباس بن مرداس:

تعرض للسيوف بكل ثغروجوهاً لا تعرض للطسام

وحمل قوم قول امرئ القيس فثوباً لبست وثوباً أجر على أنه تكرار لا ترديد فيه، وهذا هو الخطأ البين، وأي ترديد يكون أحسن من هذا؟ وقد أفاد الثاني غير إفادة الأول حسب ما شرطوا.

ومثله قول بعض الأعراب في مدح هارون الرشيد:

جهير الكلام جهير العطاسجهير الرواء جهير النغم

ومن أملح ما سمعته قول ابن العميد:

فإن كان مسخوطاً فقل شعر كاتبوإن كان مرضياً فقل شعر كاتب

وهو داخل عندي في باب الترديد؛ إذ كان قوله عند السخط شعر كاتب إنما معناه التقصير به، وبسط العذر له؛ إذ ليس الشعر من صناعته كما حكى ابن النحاس أنهم يقولون " نحو كتابي " إذا لم يكن مجوداً، وقوله عند الرضا شعر كاتب إنما معناه التعظيم له، وبلوغ النهاية في الظرف والملاحة؛ لمعرفة الكتاب باختيار الألفاظ وطرق البلاغات، فقد ضاد وطابق في المعنى، وإن كان اللفظ تجنيساً مردداً.

وسمع أبو الطيب باستحسان هذا النوع فجعله نصب عينيه حتى مقته وزهد فيه، ولو لم يكن إلا بقوله:

فقلقلت بالهم الذي قلقل الحشاقلاقل عيشٍ كلهن قلاقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قفا تريا ودقي فهاتا المخايل»

فهذه الألفاظ كما قال كلهن قلاقل، ونحو ذلك قوله:

أسد فرائسها الأسود، يقودهاأسد، تكون له الأسود ثعالبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

فما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسوداً؟ ولا أقول إنه بيت شعر، وأين يقع هذا من قول غيره:

فصبح الوصال وليل الشبابوصبح المشيب وليل الصدود

تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول من كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني منه، وأوله "

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.