تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب التشبيه

التشبيه: صفة الشيء بما قاربه وشاكله، ومن جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلية لكان إياه، ألا ترى أن قولهم " خذ كالورد " إنما أرادوا حمرة أوراق الورد وطراوتها، لا ما سوى ذلك من صفرة وسطه وخضرة كمائمه، وكذلك قولهم " فلان كالبحر، أو كالليث " إنما يريدون كالبحر سماحة وعلماً، وكالليث شجاعة وقرما، وليس يريدون ملوحة البحر وزعوقته، ولا شتامة الليث وزهوقته؛ فوقوع التشبيه إنما هو أبداً على الأعراض لا على الجواهر؛ لأن الجواهر في الأصل كلها واحد، اختلفت أنواعها أو اتفقت؛ فقد يشبهون الشيء بسميه ونظيره من غير جنسه، كقولهم " عين كعين المهاة، وجيد كجيد الريم " فاسم العين واقع على هذه الجارحة من الإنسان والمهاة، واسم الجيد واقع على هذا العضو من الإنسان والريم، والكاف للمقاربة، وإنما يريدون أن هذه العين لكثرة سوادها قاربت أن تكون سوداء كلها كعين المهاة، وأن هذا الجيد لانتصابه وطوله كجيد الريم، ألا ترى أن الأصمعي

سئل عن الحور فقال: أن تكون العين سوداء كلها كعيون الظباء والبقر، ولا حور في الإنسان، هذا أحد أقوال الأصمعي في الحور، ويدلك على أن التشبيه إنما هو هو بالمقاربة كما قلنا.

والتشبيه والاستعارة جميعاً يخرجان الأغمض إلى الأوضح، ويقربان البعيد، كما شرط الرماني في كتابه، وهما عنده في باب الاختصار.

قال: واعلم أن التشبيه على ضربين: تشبيه حسن، وتشبيه قبيح، فالتشبيه الحسن هو الذي يخرج الأغمض إلى الأوضح فيفيد بياناً، والتشبيه القبيح ما كان على خلاف ذلك، قال:

وشرح ذلك أن ما تقع عليه الحاسة أوضح في الجملة مما لا تقع عليه الحاسة، والمشاهد أوضح من الغائب؛ فالأول في العقل أوضح من الثاني، والثالث أوضح من الرابع، وما يدركه الإنسان من نفسه أوضح مما يعرفه من غيره، والقريب أوضح من البعيد في الجملة، وما قد ألف أوضح مما يؤلف، ثم عاب على بعض شعراء عصره:

صدغه ضد خده مثل ما الوعد إذا ما اعتبرت ضد الوعيد

من قبل أنه شبه الأوضح بالأغمض، وما تقع عليه الحاسة بما لا تقع عليه، وكذلك قوله:

له غرة كلون وصالٍفوقها طرة كلون صدود

وقال في موضع آخر: التشبيه على ضربين والأصل واحد: فأحدهما التقدير، والآخر التحقيق؛ فالذي يأتي على التقدير التشبيه من وجه واحد دون وجه، والذي يأتي على التحقيق التشبيه على الإطلاق، وهو التشبيه بالنفس، مثل تشبيه الغراب بالغراب، وحجر الذهب بحجر الذهب إذا كان مثله سواء، وحمرة شقائق بحمرة الشقائق.

قال صاحب الكتاب: أما ما شرط في التشبيه فهو الحق الذي لا يدفع،

لا أنه قد حمل على الشاعر فيما أخذ عليه؛ إذ كان قصد الشاعر أن يشبه ما يقوم في النفس دليله بأكثر مما هو عليه في الحقيقة، كأنه أراد المبالغة، ولعله يقول أو يقول المحتج له: معرفة النفس والمعقول أعظم من إدراك الحاسة، لا سيما قد جاء مثل هذا القرآن وفي الشعر الفصيح: قال الله ﷿: " طلعها رءوس الشياطين " فقال قوم: إن شجرة الزقوم وهي أيضاً الأستن لها صورة منكرة وثمرة قبيحة يقال لها: رؤوس الشياطين، وقال قوم: الشياطين الحيات في غير هذا المكان، والأجود الأعرف أنه شبه بما لا يشك أنه منكر قبيح؛ لما جعل الله ﷿ في قلوب الإنس من بشاعة صور الجن والشياطين، وإن لم يروها عياناً، فخوفنا تعالى بما أعد للعقوبة، وشبهه بما نخاف أن نراه، وقال امرؤ القيس:

أيقتلني والمشرفي مضاجعيومسنونة زرق كأنياب أغوال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فشبه نصال النبل بأنياب الأغوال لما في النفس منها. وعلى هذا التأويل قال أبو تمام وفيه عكس:

وأحسن من نور يفتحه الندىبياض العطايا في سواد المطالب

وقال أعرابي قديم:

يزملون حديث الضغن بينهموالضغن أسود أو في وجهه كلف

فوصفه بما يتصور ويقوم في النفس، كأنه يقول: لو كان صورة لكان هكذا، وقال بعض المولدين:

وتدبر عيناً في صحيفة فضةكسواد يأس في بياض رجاء

فاليأس على الحقيقة غير أسود؛ لأنه لا يدرك بالعيان، لكن صورته في المعقول وتمثيله كذلك مجازاً، والرجاء أيضاً على هذا التقدير في البياض.

وقد يقول المحتج الأول: إن هذا داخل في باب الاستطراد، كأن الشاعر لم يقصد الإخبار عن الغرة والطرة وشبههما، لكن عن الوصال والصدود، وعكس التشبيه ثقة بأن ما أشبه شيئاً من جهة فقد أشبهه الآخر من تلك الجهة.

فأما قول ابن المعتز يصف شرب حمار:

وأقبل نحو الماء يشتل صفوهكما أغمدت أيدي الصياقل منصلا

فإنه بديع، يشبه فيه انسياب الماء في شدقيه إلى حلقه بمنصل يغمد، وهذا تشبيه مليح يدرك بالحس، ويتمثل في المعقول، وكرر هذا التشبيه فقال يذكر إبل سفر:

وأغمدن في الأعناق أسياف لجةٍمصقلةً تفرى بهن المفاوز

وزعم قدامة أن أفضل التشبيه ما وقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، حتى يدنى بهما إلى حال الاتحاد، وأنشد في ذلك وهو عنده أفضل التشبيه كافةً:

له أيطلا ظبي، وساقا نعامةٍوإرخاء سرحان، وتقريب تتفل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

وهذا تشبيه أعضاء بأعضاء هي هي بعينها، وأفعال بأفعال هي هي أيضاً بعينها، إلا أنها من حيوان مختلف كما قدمت، والأمر كما قال في قرب التشبيه، إلا أن فضل الشاعر فيه غير كبير حينئذ؛ لأنه كتشبيه نفس الشيء المشبه الذي ذكره الرماني في تشبيه الحقيقة، وإنما حسن التشبيه أن يقرب بين البعيدين حتى تصير بينهما مناسبة واشتراك، كما قال الأشجعي:

كأن أزيز الكير إرزام شخبهاإذا امتاحها في محلب الحي ماتح

فشبه ضرع العنز بالسكير، وصوت الحلب بأزيزه، فقرب بين الأشياء البعيدة بتشبيهه حتى تناسبت، ولو كان الوجه ما قال قدامة لكان الصواب أن يشبه الأشجعي ضرع عنزة بضرع بقرة، أو خلف ناقة؛ لأنه إنما أراد كبره وكثرة ما فيه من اللبن، وكان يعدل عن ذكر الكير وأزيزه الذي دل به على أعظم ما يكون من صفة كبر الضرع وكثرة لبنه.

وسبيل التشبيه إذ كانت فائدته إنما هي تقريب المشبه من فهم السامع، وإيضاحه له أن تشبه الأدون بالأعلى إذا أردت مدحه، وتشبه الأعلى بالأدون إذا أردت ذمه، فتقول في المدح: تراب كالمسك، وحصى كالياقوت، وما أشبه ذلك، فإذا أردت الذم قلت: مسك كالسك أو التراب، وياقوت كالزجاج أو كالحصى؛ لأن المراد في التشبيه ما قدمته من تقريب الصفة وإفهام السامع، وإن كان ما شابه الشيء من جهة فقد شابهه الآخر منها، إلا أن المتعارف وموضوع التشبيه ما ذكرت.

وأصل التشبيه مع دخول الكاف وأمثالها أو كأن وما شاكلها كلها شيء بشيء في بيت واحد، إلى أن صنع امرؤ القيس في صفة عقاب:

كأن قلوب الطير رطباً ويابساًلدى وكرها العناب والحشف البالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فشبه شيئين بشيئين في بيت واحد، واتبعه الشعراء في ذلك؛ فقال لبيد ابن ربيعة:

وجلا السيول عن الضلول كأنهازبر تجد متونها أقلامها

فشبه الطلول بالزبر والسيول بالأقلام، بل زاد فشبه جلاء هذه عن هذه

بتجديد تلك لتلك. وحكى عن بشار أنه قال: ما قر بي القرار مذ سمعت قول امرئ القيس كأن قلوب الطير رطباً ويابساً حتى صنعت:

كأن مثار النقع فوق رؤوسناوأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

فإن كان مراده الترتيب فصدق، ولم يقع بعد بيت امرئ القيس في ترتيبه كبيته، وإن كان المراد تشبيهين في بيت فقد قال الطرماح في صفة ثور وحشي:

يبدو وتضمره البلاد كأنهسيف على شرف يسل ويغمد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

وهذا نهاية في الجودة. وأما قول من قال في بيت الحارث بن حلزة:

وحسبت وقع سيوفنا برءوسهموقع السحابة بالطراف المشرج

إن فيه تشبيهين من جهة الكثرة والحس أو السرعة والحس؛ فمحتمل، إلا أن الشاعر لم يصرح إلا بالوقع خاصة، يريد بذلك الحس وحده ظاهر الأمر ولذلك خص الطراف؛ لكونه من الأدم، فصوت القطر عليه أشد منه على غيره من سائر البيوت. وقال بشار أيضاً:

خلقنا سماء فوقهم بنجومهاسيوفاً ونقعاً يقبض الطرف أقسما

وقال فشبه شيئين مختلفين بشيئين من جنس واحد:

من كل مشتهرٍ في كف مشتهرٍكأن غرته والسيف نجمان
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «أعتقت ما أملك إن لم أكن»

وربما شبهوا شيئاً بشيئين كقول القطامي:

فهن كالحلل الموشى ظاهرهاأو كالكتاب الذي قد مسه البلل

وربما شبهوا بثلاثة أشياء كما قال البحتري:

كأنما يبسم عن لؤلؤٍمنظم، أو بردٍ، أو أقاح

فقول الشاعر " أو " زيادة تشبيه وإن لم يصح من جميع المشبه بها إلا شيء واحد من جهة الحكم في " أو ". ومن الناس من يرويه:

كأنما يبسم عن لؤلؤٍأو فضة، أو بردٍ، أو أقاح

وهي زعموا رواية أكثر أهل الأندلس والمغرب؛ فيكون حينئذ الثغر مشبهاً بأربعة أشياء، وقد تقدم أبو تمام فقال:

وثناياك إنها إغريضولآل توم وبرق وميض
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «وثناياك إنها إغريض»

فشبهها بثلاثة أشياء حقيقة؛ لأن حكم الواو غير حكم " أو " لا سيما وقد أتى التشبيه بغير كاف ولا شيء من أخوتها، فجاء كأنه إيجاب وتحقيق.

وكثر تشبيههم شيئين بشيئين حتى لم يصر عجباً، وقد جاءوا بتشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء في بيت واحد: بالكاف؛ وبغير كاف؛ فقال مرقش:

النشر مسك، والوجوه دنانير، وأطراف الأكف عنم
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «شمس تجلت تحت ثوب ظلم»

وقال ابن الرومي:

كأن تلك الدموع قطر ندىيقطر من نرجس على ورد
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «ما يوم بين الحبيب بالسعد»

وقال أيضاً ويدخل في باب قول مرقش:

إن أقبلت فالبدر لاح، وإن مشتفالغصن ماد، وإن رنت فالريم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «قلبي من الطرفِ السقيم سقيم»

وقال ابن المعتز:

بدر وليل وغصنوجه وشعر وقد
خمر ودر ووردريق وثغر وخد

وقال صاحب الكتاب:

كأن ثناياه أقاحٍ، وخدهشقيق، وعينيه بقية نرجس
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً على جهة التفسير:

بكؤوس حكين من شف قلبيشفة لم تذق وثغراً وريقا
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

يريد حافة الكأس والحباب والخمر.

ثم أتوا بتشبيه أربعة بأربعة: بالكاف أيضاً، وبغير كاف، فقال امرؤ القيس وهو أول من فتح هذا الباب:

له أيطلا ظبي، وساقا نعامةٍوإرخاء سرحان، وتقريب تتفل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فجاء بتشبيه إضافة كما ترى حتى جعله تحقيقاً لولا مفهوم الخطاب.

بدت قمراً، ومالت خوط بان،وفاحت عنبراً، ورنت غزالا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بقائي شاء ليس هم ارتحالا»

فجاء بالتشبيه على إسقاط الكاف. وقال أيضاً:

ترنو إلي بعين الظبي مجهشةًوتمسح الطل فوق الورد بالعنم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

فشبه في القسيم الأول عينها بعين الظبي، وشبه في القسيم الآخر ثلاثة بثلاثة، وقد تقدم أبو نواس فقال:

يبكي فيذري الدر من نرجسويلطم الورد بعناب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا قمرا أبرزه مأتم»

وهذا مليح جداً. سئل ابن مناذر: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول:

يا قمراً أبصرت في مأتمٍيندب شجواً بين أتراب
يبكي فيذري الدر من نرجسويلطم الورد بعناب
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا قمرا أبرزه مأتم»

هذا أشعر الجن والأنس. وقد جاء بالشعر على سجيته أعني أبا نواس وشاهد ذلك ظاهر في لفظه، وإلا فهو قادر أن يجعل مكان الدر الطل حتى يتناسب الكلام، لكنه لم يكن يؤثر التصنيع ولا يراه فضيلة؛ لما فيه من الكلفة ومن الناس من يرويه كذلك، ومنهم من يرويه فيذري الدر من جفنة ومما شبه أربعة بأربعة مع الكاف قول ابن حاجب وهو عبد العزيز وزير القادر بالله أبي العباس النعمان:

ثغر وخد ونهد واختضاب يدٍكالطلع والورد والرمان والبلح

وقال صاحب الكتاب:

بفرع ووجه وقدٍ وردفٍكليلٍ وبدرٍ وغصنٍ وحقفٍ
للشاعر ابن رشيق القيرواني، اقرأ القصيدة

ومما وقع فيه تشبيه خمسة بخمسة قول أبي الفرج الوأواء، وأتى به بغير آلة تشبيه:

فأسبلت لؤلؤاً من نرجس وسقتورداً وعضت على العناب بالبرد

وقال أبو الفتح البستي شاعر مصر في وقتنا هذا يصف شمعة:

قد شابهتني في لونٍ وفي قضفٍوفي احتراق وفي دمع وفي سهر
للشاعر أبو الفتح البستي، من قصيدة «قد شابهتني في لون وفي قصف»

فقوله قد شابهتني أظهر مقدرة من المجيء بالكاف؛ لأنهم إنما استصعبوا ذلك مع الكاف وأخوتها من جهة ضيق الكلام بها، فهذا الذي أتى به البستي أشد ضيقاً، ألا ترى أنه لو قال: " كأنها أنا " لكان هو الصواب ويكون قد أتى بكأن وضميرين بعدها فضلاً عن الكاف.

ومنهم من يأتي بالتشبيه الواحد بغير كاف كقول امرئ القيس:

سموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالاً على حال
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

وقوله أيضاً:

إذا ما الثريا في السماء تعرضتتعرض أثناء الوشاح المفضل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

يريد كسمو حباب الماء، وكتعرض أثناء الوشاح.

وأبدع من هذا عندهم وأغرب قول المنخل اليشكري:

دافعتها فتدافعتمشي القطاة إلى الغدير

وإنما براعته عندهم لما لم يكن قبله فعل من لفظه.

ومن مليح التشبيه قول أبي كبير الهذلي:

فالطعن شغشغة، والضرب هيقعةضرب المعول تحت الديمة العضدا
للشاعر عبد مناف الهذلي، اقرأ القصيدة
وللقسي أزاميل وغمغمةحس الجنوب تسوق الماء والبردا
للشاعر عبد مناف الهذلي، اقرأ القصيدة

فالأول من نوع بيتي امرئ القيس، والثاني من نوع بيت المنخل، وأنا أستحسن هذين البيتين جداً.

وقد يقع التشبيه بين الضدين والمختلفين: كقولك " العسل في حلاوته كالصبر في مرارته، أو كالخل في حموضته ".

قال أبو الحسن الرماني: وهذا الضرب من التشبيه لا يقال إلا بتقييد وتفسير ومن هذا النوع الذي ذكره الرماني قول ابن المهدي للمأمون يعتذر:

لئن جحدتك معروفاً مننت بهإني لفي اللؤم أحظى منك بالكرم
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة

وكذلك قول أبي نواس:

أصبح الحسن منك يا أحسن الأمة يحكي سماجة ابن حبيش

يريد أن هذا غاية كما أن ذاك غاية.

قال الجرجاني: التشبيه والتمثيل يقع مرة بالصورة والصفة، وأخرى بالحالة والطريقة، اعتذر بذلك عن قول أبي الطيب:

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

إنه إنما أراد وقوفاً خارجاً عن المتعارف. وأنشد:

رب نيل أمد من نفس العاشق طولاً قطعته بانتحاب

فهذا والله هو النقد العجيب الذي غفل الناس عنه، بل عموا وصموا. والبيت لمحمد بن عبد الملك الزيات، ويروي لماني الموسوس. ومثله قول أبي تمام:

ومسافة كمسافة الهجر ارتقىفي صدر باقي الحب والبرحاء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

وأنشد الرماني لذي الرمة:

كأنه كوكب في إثر عفريتمسوم في سواد الليل منقضب

ثم قال: قد اجتمع الثور والكوكب في السرعة إلا أن انقضاض الكوكب أسرع، واستدل بهذا على جودة التشبيه.

وأنا أرى أن فيه دركاً على الشاعر، وإغفالاً من الشيخ المفسر، وذلك أن الثور مطلوب، والكوكب طالب، فشبهه به في السرعة والبياض، ولو شبهه بالعفريت وشبه الكلب وراءه بالكوكب لكان أحسن وأوضح، لكنه لم يتمكن له المعنى الذي أراده من فوت الثور الذي شبه به راحلته؛ وأما ما أغفله الشيخ فإن الشاعر إنما رغب في تشبيه الثور بالكوكب، واحتمل عكس التشبيه: بأن جعل المطلوب طالباً لبياضه فإن الثور لهق لا محالة؛ وأما السرعة التي زعم فإن العفريت لو وصفه به وشبهه بسرعته لما كان مقصراً، ولا متوسطاً، بل فوق ذلك.

ومن التشبيهات عقم لم يسبق أصحابها إليها، ولا تعدى أحد بعدهم عليها، واشتقاقها فيما ذكر من الريح العقيم، وهي التي لا تلقح شجرة ولا تنتج ثمرة، نحو قول عنترة العبسي يصف ذباب الروض:

وخلا الذباب بها فليس بارحٍغرداً كفعل الشارب المترنم
هزجاً يحك ذراعه بذراعهقدح المكب على الزناد الأجذم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

وقوله أيضاً في صفة الغراب:

خرق الجناح كأن لحي رأسهجلمان بالأخبار هش مولع

وقال الحطيئة يصف لغام ناقته:

ترى بين لحييها إذا ما ترغمتلغاماً كبيت العنكبوت الممدد
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «آثرت إدلاجي على ليل حرة»

وقال الشماخ يصف آثار ريش نعامة:

كأنما منثني أقماع ما مرطتمن العفاء بليتيها الثآليل
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد فنوم العين مملول»

وقول عدي بن الرقاع يصف قرن ظبي:

تزجي أغن كأن إبرة روقهقلم أصاب من الدواة مدادها
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «عرف الديار توهما فاعتادها»

وقول الراعي يصف جعد الرأس:

جدلاً أسك كأن فروة رأسهبذرت فأنبت جانباها فلفلا

وقول بشر بن أبي خازم يصف عروق الأرطى وقد كشفها ثور:

يثير ويبدي عن عروقٍ كأنهاأعنة خراز تخط وتنشر
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «أليلى على شحط المزار تذكر»

وقول الطرماح في صفة الظليم:

مجتاب شملة برجد لسراتهقدداً، وأسلم ما سواه البرجد
للشاعر الطرماح، من قصيدة «بان الخليط بسحرة فتبددوا»

وقول ذي الرمة في صفة الليل:

وليل كجلباب العروس قطعتهبأربعةٍ والشخص في العين واحد

وقول مضرس بن ربعي في صفة رأس النعامة:

سكاء عارية الأخادع رأسهامثل المدق وأنفها كالمسرد

وقال النابغة في صفة النسور:

تراهن خلف القوم خزراً عيونهاجلوس الشيوخ في ثياب المرانب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وهذا التشبيه عندهم عقيم، إلا أني أقول: إنه من قول طرفة يصف عقاباً:

وعجزاء دفت بالجناح كأنهامع الصبح شيخ في بجاد مقنع

وينظر أيضاً إلى قول امرئ القيس قبله:

كأن ثبيراً في عرانين وبلهكبير أناس في بجاد مزمل

وقال عبد الله بن الزبير الأسدي في تشبيه رأس القطاة:

تقلب للإصغاء رأساً كأنهايتيمة جوز أغبرتها المكاسر
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

وفي الشعر من هذا صدر جيد، وفي القرآن تشبيه كثير كقوله تعالى: " والقمر قدرناها منازل حتى عاد كالعرجون القديم " وقوله تعالى: " والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيمة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً " وقوله: " إذا غشيهم موج كالظلل " وقوله: " كأنهم جراد منتشر " ومن كلام النبي ﷺ: " الناس كأسنان المشط، وإنما يتفاضلون بالعافية " وقال: " الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " وكثير من هذا يطول تقصيه.

وقد أتت القدماء بتشبيهات رغب المولدون إلا القليل عن مثلها استبشاعاً لها، وإن كانت بديعة في ذاتها، مثل قول امرئ القيس:

وتعطو برخص غير شثن كأنهأساريع ظبي أو مساويك إسحل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

فالبنانة لا محالة شبيهة بالأسروعة، وهي دودة تكون في الرمل، وتسمى جماعتها بنات النقا، وإياها عنى ذو الرمة بقوله:

خراعيب أمثال كأن بنانهابنات النقا تخفى مراراً وتظهر

فهي كأحسن البنان: ليناً، وبياضاً، وطولاً، واستواءً، ودقة، وحمرة رأس، كأنه ظفر قد أصابه الحناء، وربما كان رأسها أسود، إلا أن نفس الحضري المولد إذا سمعت قول أبي نواس في صفة الكأس:

تعاطيكها كف كأن بنانها إذا اعترضتها العين صف مداري

أو قول علي بن العباس الرومي:

سقى الله قصراً بالرصافة شاقنيبأعلاه قصري الدلال رصافي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «سقى الله قصرا بالرصافة شاقني»
أشار بقضبان من الدر قمعتيواقيت حمراً فاستباح عفافي
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «سقى الله قصرا بالرصافة شاقني»

وقول عبد الله بن المعتز:

أشرن على خوف بأغصان فضةمقومة أثمارهن عقيق

كان ذلك أحب إليها من تشبيه البنان بالدود في بيت امرئ القيس، وإن كان تشبيهه أشد إصابة. وفي قول الطائي أبي تمام:

بسطت إليك بنانة أسروعاتصف الفراق ومقلة ينبوعا

وقرب هذا عنده وهو مدح من قول حسان في الهجو:

وأمك سوداء نوبيةكأن أناملها الحنظب

إذ كانا جميعاً من خشاش الأرض. فأما قول امرئ القيس أو مساويك إسحل فجار مجرى غيره من تشبيهاتهم؛ لأنهم يصفونها بالعنم والأقلام وما أشبه ذلك، والبنان قريب الشبه من أعواد المساويك: في القدر، والاستواء، والإملاس، إلا أن الأول على كراهته أشبه بها، والإسحل: شجر المخيطا.

وقد استبشع قوم قول الآخر يصف روضاً

كان شقائق النعمان فيهثياب قد روين من الدماء
للشاعر الخباز البلدي، اقرأ القصيدة

فهذا وإن كان تشبيهاً مصيباً فإن فيه بشاعة ذكر الدماء، ولو قال من العصفر مثلاً أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الأنس.

وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع وما جرى هذا المجرى من التشبيه،

فإنه وإن كان مصيباً لعين الشبه فإنه غير طيب في النفس، ولا مستقر على القلب، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب:

تلاعبها كف المزاج محبةلها، وليجري ذات بينهما الأنس
فتزبد من تيه عليها كأنهاغريرة خدر قد تخبطها المس

فلو أن في هذا كل بديع لكان مقيتاً بشعاً، ومن ذا يطيب له أن يشرب شيئاً يشبه بزبد المصروع وقد تخبطه الشيطان من المس؟! وكأني أرى بعض من لا يحسن إلا الاعتراض بلا حجة قد نعى على هذا المذهب، وقال: رد على امرئ القيس، ولم أفعل، ولكني بينت أن طريق العرب القدماء كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله. وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة:

نظرت إليك بحاجة لم تقضهانظر السقيم إلى وجوه العود
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

على أنه تشبيه لا يلحق، ولا يشق غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلا بذكر السقيم؛ فإنه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضل عليه قول عدي بن الرقاع العاملي:

وكأنها وسط النساء أعارهاعينيه أحور من جآذر جاسم
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «ألمم على طلل عفا متقادم»
وسنان أقصده النعاس فرنقتفي عينه سنة وليس بنائم
للشاعر عدي بن الرقاع، من قصيدة «ألمم على طلل عفا متقادم»

وأجرى الناس هذا المجرى قول صريع الغواني على أنه لم يقع لأحد مثله، وهو:

فلطت بأيديها ثمار نحورهاكأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع

فهذا تشبيه مصيب جداً، إلا أنهم عابوه بما بينت، وإنما أشار إلى قول النابغة:

ويخططن بالعيدان في كل منزلويخبأن رمان الثدي النواهد

ومثله قول أبي محجن الثقفي في وصف قينة:

وترفع الصوت أحياناً وتخفضهكما يطن ذباب الروضة الغرد
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

فأي قينة تحب أن تشبه بالذباب؟ وقد سرق بيت عنترة وقلبه فأفسده.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.