تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب التصدير

" أعان الله تعالى على إكماله، بمنه وفضله.

﷽

باب التصدير

وهو، أن يرد أعجاز الكلام على صدوره، فيدل بعضه على بعض، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة، ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة، ويكسوه رونقاً وديباجة ويزيده مائية وطلاوة.

وقد قسم هذا الباب عبد الله بن المعتز على ثلاثة أقسام: أحدها: ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة من النصف الأول، نحو قول الشاعر:

يلفي إذا ما الجيش كان عرمرماًفي جيش رأي لا يفل عرمرم

الآخر: ما يوافق آخر كلمة من البيت أول كلمة منه، نحو قوله:

سريع إلى ابن العم يشتم عرضهوليس إلى داعي الندى بسريع

والثالث: ما وافق آخر كلمة من البيت بعض ما فيه، كقول الآخر:

عزيز بني سليم أقصدتهسهام الموت وهي له سهام
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

والتصدير قريب من الترديد، والفرق بينهما أن التصدير مخصوص بالقوافي ترد على الصدور، فلا تجد تصديراً إلا كذلك حيث وقع من كتب المؤلفين، وإن لم يذكروا فيه فرقاً، والترديد يقع في أضعاف البيت، إلا ما ناسب بيت ابن العميد المقدم.

ومن أبيات التصدير قول زهير:

كذلك خيمهم، ولكل قومٍإذا مستهم الضراء خيم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن طلل برامة لا يريم»

وقال أيضاً في ذلك:

له في الذاهبين أروم صدقوكان لكل ذي حسب أروم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «لمن طلل برامة لا يريم»

وقال أبو الأسود واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي:

وما كل ذي لب بموتيك نصحهوما كل مؤتٍ نصحه بلبيب
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أمنت على السر امرء غير حازم»

فهذا تصدير، وإن كان ظاهره في اللفظ ترديداً للعلة التي ذكرتها.

ومن أناشيدهم في التصدير قول طفيل الغنوي:

محارمك أمنعها من القوم؛ إننيأرى جفنة قد ضاع فيها المحارم
للشاعر الطفيل الغنوي، من قصيدة «محارمك امنعها من القوم إنني»

وقال جرير وهم يستحسنوه جداً:

سقى الرمل جون مستهل ربابهوما ذاك إلا حب من حل بالرمل
للشاعر جرير، من قصيدة «عوجي علينا واربعي ربة البغل»

وقال عمرو بن الأحمر:

تغمرت منها بعد ما نفد الصباولم يروا من ذي حاجة من تغمرا

تغمرت أي: شربت من الغمر، وهو قدح صغير جداً، ضربه مثلاً، أي: تعللت منها بالشيء القليل، وذلك لا يبلغ ما في نفسي منك من المراد.

ومن التصدير نوع سماه عبد الكريم المضادة، وأنشد للفرزدق:

أصدر همومك لا يغلبك واردهافكل واردة يوماً لها صدر

وأنشد في التصدير بيت طفيل المتقدم، وبيت جرير، وخص بيت الفرزدق بالمضادة دون أن يجعله تصديراً كما جعله أولاً طباقاً كما يقال في الأضداد إذا وقعت في الشعر، وقد رأيته في إحدى النسخ مع أبيات المطابقة.

ويقاربه من كلام المحدثين قول ابن الرومي:

ريحانهم ذهب على درروشرابهم درر على ذهب
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «يا ابن المسيب عشت في نعم»

والكتاب يسمون هذا النوع التبديل، حكاه أبو جعفر النحاس.

ومن أناشيد ابن المعتز قول منصور بن الفرج في ذكر الشيب:

يا بياضاً أذرى دموعي حتىعاد منها سواد عيني بياضاً

وأنشد لأبي نواس، وهو عندي بعيد من أحكام السمعة التي يدخل بها في هذا الباب، على أنه غاية في ذاته؛ لأن أكثر العادة أن تعاد اللفظة بنفسها:

دقت ورقت مذقة من مائهاوالعيش بين رقيقتين رقيق

وأنشد لمسلم بن الوليد:

تبسم عن مثل الأقاح تبسمتله مزنة صيفية فتبسما

وهذا البيت أيضاً ترديد، وأنشد للطائي:

ولم يحفظ مضاع المجد شيءمن الأشياء كالمال المضاع
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «خذي عبرات عينك عن زماعي»

فالمولدون أكثر عناية بهذه الأشياء، وأشد طلباً لها من القدماء، وهي في أشعارهم أوجد كما قدمت آنفاً.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.