تجاوز إلى المحتوى

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)

باب التتبيع

ومن أنواع الإشارة التتبيع، وقوم يسمونه التجاوز، وهو: أن يريد الشاعر ذكر الشيء فيتجاوزه، ويذكر ما يتبعه في الصفة وينوب عنه في الدلالة عليه، وأول من أشار إلى ذلك امرؤ القيس يصف امرأة:

ويضحى فتيت المسك فوق فراشهانؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل

فقوله " ويضحى فتيت المسك " تتبيع، وقوله " نؤوم الضحى " تتبيع ثان، وقوله " لم تنتطق عن تفضل " تتبيع ثالث، وإنما أراد أن يصفها بالترفه، والنعمة،

وقلة الامتهان في الخدمة، وأنها شريفة مكفية المؤونة، فجاء بما يتبع الصفة ويدل عليها أفضل دلالة.. ونظيره قول الأخطل يصف نساء:

لا يصطلين دخان النار شاتيةًإلا بعود يلنجوجٍ على فحم
للشاعر الأخطل، من قصيدة «أتنكر الدار أم عرفان منزلة»

فذكر أنهن ذوات تملك وشرف حال. وأين من هذا القول النابغة في معناه وقصده:

ليست من السود أعقاباً إذا انصرفتولا تبيع بجنبي نخلة البرما
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بانت سعاد وأمسى حبلها انجذما»

كأنها إن لم تكن سوداء العقبين بياعة للبرم كانت في نهاية الحسن والشرف والدعة.

وقال النابغة وأراد أن يصف طول العنق وتمام الخلقة فيها فذكر القرط؛ إذ كان مما يتبع وصف العنق، ولم يسبقه إلى ذلك أحد من الشعراء:

إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثهاومن يتعلق حيث علق يفرق

فجعل رعاثها يخاف ويفرق، وعذره ببعد مسقطه، فتناول هذا المعنى عمر بن أبي ربيعة فأوضحه بقوله:

بعيدة مهوى القرط إما لنوفلأبوها، وإما عبد شمس وهاشم
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «رأيت بجنب الخيف هندا فراقني»

وتبعه ذو الرمة فزاد المعنى وضوحاً بقوله:

والقرط في حرة الذفرى معلقهتباعد الحبل منه فهو يضطرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وقال طفيل الغنوي يصف فرساً، ويروى لغيره:

هريت قصير عذير اللجامأسيل طويل عذار الرسن

فلو ترك الهرت والأسالة لكان من هذا الباب، ولكنه الآن لم يقصد التتبيع، وإنما جاء به كالتوكيد لما قبله، هذه رواية ابن قتيبة، وأما رواية النحاس عن شيوخه عن الأصمعي فإنها:

وأحوى قصير عذار اللجاموهو طويل عذار الرسن

وهذا تتبيع لا شك فيه. وأما قول الأخطل:

أسيلة مجرى الدمع، أما وشاحهافجار، وأما الحجل منها فما يجري
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر»

ففيه التتبيع في ثلاثة مواضع، وهي صفة الخد بالسهولة، وصفة الخصر بالرقة، والساق بالغلط. ومثله قول الأعشى:

صفر الوشاح، وملء الدرع، خرعبةإذا تأتي يكاد الخصر ينخزل

فقوله " صفر الوشاح " دال على رقة الخصر، " وملء الدرع " دال على تمام الخلق من طول وسمن وامتلاء صدر وعجيزة، وكل ما وقع من قولهم:

النجاد، وكثير الرماد، وما يشاكلهما فهو من هذا الباب. وقالت ليلى الأخيلية:

ومخرق عنه القميص تخالهوسط البيوت من الحياء سقيماً
للشاعر ليلى الأخيلية، اقرأ القصيدة

أرادت أنه يجذب ويتعلق به للحاجات لجوده وسؤدده وكثرة الناس حوله، وقيل: إنما ذلك لعظم مناكبه، وهم يحمدون ذلك.

ومن عجيب ما وقع في هذا الباب من التجاوز قول أوس بن حجر:

حتى يلف نخيلهم وبيوتهملهب كناصية الحصان الأشقر

أراد الحرب التي هي المقصود بالصفة، هكذا الرواية الصحيحة، وبهذا التفسير فسره جلة العلماء وهم الأكثر، وقال آخرون: بل إنما أغراه بإحراق النخل والبيوت ففعل، ولا يكون على هذا الرأي الآخر من هذا الباب.

ومن التجاوز قول رؤبة بن العجاج يصف حوافر الخيل: سوى مساجيهن تقطيط الحقق أراد أن يشبهها بالمساحي فجعلها أنفسها مساحي، يريد العظم.

ومثله قول ابن دريد:

يدير إعليطين في ملمومةإلى لموحين بألحاظ اللأى
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

أراد أن يشبه أذن الفرس بالإعليط وهو وعاء ثمر المرخ فجعل الأذن نفسها إعليطاً، كما فعل رؤبة في المساحي، ومثله كثير.

ومما يدخل في باب التجاوز قول النابغة:

تقد السلوقي المضاعف نسجهوتوقد بالصفاح نار الحباحب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

وإنما أراد السلوقي مع ما فيه من الجسد وما تحت لابسه زعموا من السرج والفرس، فعدا عن الجميع، وجاء بما يتبعه، ويستغني به عن ذكره، إذ كانت لا تقد السلوقي إلا أن تقد ما فيه، ولا تنتهي إلى الصفاح على ما فسروا من أنه يريد الفارس بأداته إلا بعد أن تأتي على السرج والفرس، على أن من الناس من رد يوقدن على الخيل.. وإلى مثل هذا الإفراط ذهب النمر بن تولب في صفة السيف الذي شبه به نفسه فقال:

تظل تحفر عنه إن ضربت بهبعد الذراعين والساقين والهادي
للشاعر النمر بن تولب، اقرأ القصيدة

وروى الحذاق " القينين والهادي " وهو واضح في المعنى.

ومن التتبيع قول زهير:

وملجمنا ما إن ينال قذالهولا قدماه الأرض إلا أنامله
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله»

فأشار إلى طول عنقه وقوائمه بذكر تطاول الملجم إشارة عجيبة، وتبعه ابن مقبل فقال:

تمطيت أخليه اللجام فبذنيوشخصي يسامي شخصه وهو طائله

وإنما تناول زهير هذا المعنى من أبي دؤاد الإيادي، ويروي بن ثعلبة الأسدي حيث يقول:

لا يكاد الطويل يبلغ منهحيث يثني على المقص العذار
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

وأنا أقول:

إن بيت الذبياني في الرعاث مأخوذ من قول عبيد بن الأبرص:

ماطوا الرعاث بنهد لو يزل بهلاندق دون تلاقي اللبة القرط

وقال ابن دريد وأتى ببديع مليح:

قريب ما بين القطاة والمطابعيد ما بين القذال والصلا
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «يا ظبية أشبه شيء بالمها»

فدل هذا على قصر الظهر وطول العنق..

وقال بعض الشعراء فملح وظرف:

فما يك في من عيب فإنيجبان الكلب مهزول الفصيل

أشار إلى كثرة غشيان الضيوف، حتى إن الكلب مما أنس جبن أن ينبح فضلاً عما سوى ذلك، وهزال فصيله دال على أن الألبان مبذولة للضيفان، فقل ما بقي له منها.

وقد قال امرؤ القيس: سمان الكلاب عجاف الفصال فعجف الفصال للعسلة التي قدمت، وسمن الكلاب لكثرة ما ينحرون ويذبحون.

ومن أعجب التتبيع قوله:

أمرخ خيامهم أم عشرأم القلب في إثرهم منحدر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «أحار بن عمرو كأني خمر»

يقول: أنزلوا نجداً الذي من نباته المرخ أم الغور الذي من نباته العشر؟

وإن الأعراب يعملون خيامهم من نبات الأرض التي ينزلونها، فإذا رحلوا تركوه واستأنفوا غيره من شجر البلد الذي ينزلون به، هكذا شرح العلماء هذا البيت المتقدم، ولا أرى الأعراب تذكر ذلك كثيراً في أشعارها، وإنما يتعاورون ذكر الوتد، اللهم إلا أن تكون الأعمدة وما شاكلها تنتخب وتحمل وإنما المطرح ما جعل فوقها وسد به خصاصها فدفع الحر والبرد فنعم، ولا شك أن هذا هو الصحيح، ويدل عليه قول جرير يذكر منزلاً:

فلا عهد إلا أن تذكر أو ترىثماماً حوالي منصب الخيم باليا
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي رهبى ثم حي المطاليا»

فذكر الثمام مطرحاً، وقال أبو دواد:

عهدت لها منزلاً دائراًوآلا على الماء يحملن آلا
للشاعر أبو دؤاد الإيادي، اقرأ القصيدة

فالآل الأول: أعمدة الأخبية، والآل الثاني: الشخص الذي يرتفع عند اشتداد الحر، هكذا فسروه، منهم قدامة، والذي قال الحذاق: يعني أعمدة تحمل أعمدة مثلها ذكره أبو حنيفة، وقوله " على الماء " يعني الماء العد الذي هو المحضر يرجعون إليه بعد تبديهم وانقطاع ماء السماء، وقد أخبرك الشاعر على القول الأول أنهم يحملون أعمدة الأخبية والبيوت.

ومن أحسن ما وقع في هذا الباب من التتبيع قول حسان بن ثابت:

أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «أسألت رسم الدار أم لم تسأل»

فقوله " حول قبر أبيهم " تتبيع مليح، أشار به إلى أنهم ملوك مقيمون لا يخافون فينتقلون من مكان إلى مكان، وأنهم في مستقر عز وأرض خصب

لا تجدب، أراد الشام، وأن ذلك دأبهم من القدم، فهو حول قبر أبيهم، وهذا كما قال ابن مقبل:

نحن المقيمون لم تبرح ظعائننالا نستجير، ومن يخلل بنا يجر
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

ومن هذا الباب أيضاً قول عنترة بن شداد العبسي:

بطل كأن ثيابه في سرحةيحذي نعال السبت ليس بتوأم
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «هل غادر الشعراء من متردم»

أراد أنه ملك؛ لأن نعال السبت لا يحتذيها عندهم إلا كل شريف، يدلك على ذلك قول عتيبة بن مرداس المعروف بابن فسوة يذكر آل رسول الله ﷺ في قصيدة لام فيها عبد الله بن عباس وشكر الحسن بن علي ﵉ وعبد الله بن جعفر ﵄:

إلى نفر لا يخصفون نعالهمولا يلبسون السبت ما لم يخصر

ومن التتبيع قول الحطيئة:

لعمرك ما قراد بني كليبإذا نزع القراد بمستطاع

وذلك أن الفحل إذا منع الخطام نزعوا من قردانه شيئاً فلذ ذلك، وسكن إليه، ولان لصاحبه حتى يلقى الخطام في رأسه، فزعم الحطيئة أن هؤلاء لا يخدعون عن عزهم وإبائهم فيقدر عليهم.

وأما قول ذي الإصبع العدواني واسمه حرثان بن الحارث:

يا عمرو، إلا تدع شتمي ومنقصتيأضربك حيث تقول الهامة اسقوني
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة

فيجوز أن يكون أراد أضربك على الرأس الذي تصيح منه الهامة اسقوني على زعم الأعراب، فيكون من هذا الباب، ويجوز أن يكون مراده أضربك فلا يؤخذ بثأرك وتكون حيث ههنا مثلها في قول زهير: لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم فيخرج عن هذا الباب.. وإلى نحو التأويل الأول قصد أبو الطيب بقوله:

فيا بن الطاعنين بكل لدنمواضع يشتكي البطل السعالا

أراد الصدر، أو النحر..

وبيت البحتري في صفة الذئب، ويروى لعمارة بن عقيل:

فأوجرته أخرى فأظللت ريشهابحيث يكون اللب والرعب والحقد
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

خير من بيت أبي الطيب وأجمع للصفة، وقوله " أظللت " بمعنى صبرت ويروى بالضاد.

النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.