من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)
مواضع التقديم والتأخير: قاعدة عامة
دستور في التقديم والتأخير في الاستفهام والخبر:
واعلمْ أنَّ معَكَ دُستوراً لك فيه، إنْ تأملت، غني عن كل سِواهُ، وهو أَنه لا يَجوز أن يكونَ لِنَظْم الكلامِ وتَرتيبِ أَجزائه في "الاستفهام" معنًى لا يكونُ لهُ ذلكَ المعنى في "الخبر". وذاكَ أنَّ "الاستفهامَ" استخبارٌ، والاستخبارَ هوُ طَلبٌ منَ المُخاطَب أن يُخْبرك. فإِذا كان كذلك، كان مُحالاً أن يَفْترِقَ الحالُ بينَ تقديمِ الاسمِ وتأخيرهِ في "الاستفهامِ"، فيكونُ المعنى إذا قلتَ: "أزيدٌ قام؟ " غيرَهُ إذا قلتَ: "أقامَ زيدٌ؟ "، ثم لا يكونُ هذا الافتراقُ في الخَبر، ويكونُ قولُك: "زيدٌ قام" و "قامَ زيدٌ" سواءً، ذاكَ لأنه يؤدِّي إلى أَنْ تستعملَه أمراً لا سبيلَ فيه إلى جوابٍ، وأن تَسْتَثْبِتَه المعنى على وجهٍ ليس عنده عبارةٌ يثبتُه لكَ بها على ذلك الوجه.
وجملةُ الأَمر، أنَّ المعنى في إدخالِكَ "حرْفَ الاستفهام" على الجملة من الكلام، وهو أنك تطلبأن يَقِفَكَ في معنى تلك الجملة ومَؤَدَّاها على إثباتِ أو نَفْي. فإِذا قلتَ: "أزيدٌ منطلقٌ؟ "، فأنتَ تطلب أنْ يقولَ لك: "نَعمْ، هو مُنطلِقٌ" أو يقولَ: "لا، ما هو مُنْطَلِقٌ". وإذا كان ذلك كذلك، كان مُحالاً أن تكونَ الجملةُ إذا دخلَتْها همزةُ الاستفهام استخباراً عنِ المعنى على وجهٍ، لا تكونُ هي إذا نُزِعَتْ منها الهمزةُ إخباراً به على ذلك الوجه، فاعرفه.
النص من طبعة مطبعة المدني بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع