تجاوز إلى المحتوى

من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

القول في حذف المبتدأ

وهذه جملةٌ قد تُنْكِرُها حتى تَخْبُرَ، وتَدْفعهُا حتى تَنْظُرَ، وأنا أَكتبُ لك بَديئاً أمثلةً ممَّا عَرَضَ فيه الحذفُ، ثم أُنبهُكَ على صحةِ ما أشرتُ إليه، وأُقيمُ الحجَّةَ من ذلك عليه. أنشد صاحب الكتاب:

اعْتَادَ قلبَكَ مِنْ لَيلى عَوائدُهوهاجَ أهواءَكَ المكنونةَ الطَّللُ
رَبْعٌ قَواءٌ أذاعَ المُعْصِراتُ بِهِوكلُّ حيرانَ سارٍ ماؤهُ خَضِلُ

قال: أرادَ، "ذاكَ رَبْعُ قَواء أو هوَ رَبْعٌ". قال: ومثلُه قولُ الآخر:

هل تَعرفُ اليومَ رسْمَ الدارِ والطَّلَلاكَما عرفت بحقن الصَّيْقَل الخِلَلاِ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا»
دارٌ لِمَرْوةَ إذْ أَهْلي وأَهلُهُمُبالكانسيةِ نرعى اللهو والغزلا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هل تعرف اليوم رسم الدار والطللا»

كأنه قال: تلك دارٌ. قال شيخُنا رحمه الله: ولم يَحمل البيتُ الأولُ على أنَّ "الرَّبعَ" بَدَلٌ منَ الطلل"، لأنَّ الرَّبْع أكثرُ من الطَّلل، والشيءُ يُبدَلُ مما هو مِثلُه أو أكثرُ منه، فأما الشيءُ مِنْ أَقلَّ منه ففاسدٌ لا يُتَصور وهذه طريقةٌ مستمرَّةٌ لهم إذا ذكروا الديار والمنازل.

حذف الفعل وإضماره:

وكما يضمرون المبتدأ فيرفعون، قد يضمرون الفعل فينصبون، كبيت الكتاب أيضًا:

ديارَ ميَّة إذْ ميٌّ تُسَاعِفُنَاولا يَرى مثْلَها عُجْمٌ ولا عَرَبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

أَنْشَدهُ بنَصْبِ "ديارَ" على إضمارِ فعلٍ، كأنه قالَ: أذكرُ ديارَ مية.

المواضع التي يطرد فيها حذف المبتدأ وأمثلته:

ومن المواضع التي يطَّردُ فيها حذفُ المبتدأ، "القطع الأولَ، ويَستأنفون كلاماً آخرَ، وإِذا فعَلوا ذلك، أتوْا في أكثرِ الأمرِ بخبَرٍ من غَير مبتدإ مثال ذلك قوله:

وعلمتُ أني يوم ذاكَ مُنازلٌ كعباً ونهدا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ليس الجمال بمئزر»
قَومٌ إذا لبسوا الحديــدَ تَنمَّرُوا حلقًا وقدًا
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ليس الجمال بمئزر»

وقوله:

همُ حَلُّوا مِنَ الشَّرفِ المُعَلَّىومِنْ حَسَب العشيرة حيث شاءوا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «من الغر الكرام بني سنان»
بُناةُ مكارمٍ وأُسَاةُ كلْمٍدماؤهُمُ مِنَ الكَلَبِ الشفاء
للشاعر الحصين بن حمام الفزاري، من قصيدة «بناة مكارم وأساة كلم»

وقوله:

رَآني عَلَى ما بي عُمَيْلةُ فاشْتكىإلى ماله حالي أسر كما جهر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

ثم قال بعد:

غلامٌ رَماهُ اللهُ بالخَيْرِ مُقْبِلاًلهُ سيمياءٌ لا تشق على البصر
للشاعر ابن عنقاء الفزاري، اقرأ القصيدة

وقوله:

إِذا ذُكِرَ ابْنا العَنْبريَّةِ لم تَضِقْذِراعِي، وألقى باسته من أفاخر
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة
هِلالانِ، حمّالانِ في كلِّ شَتْوةٍمِنَ الثِّقْلِ ما لا تَسْتطيعُ الأباعِرُ
للشاعر موسى بن جابر اليمامي، اقرأ القصيدة

"حَمّالانِ"، خبرٌ ثانٍ، وليس بصفةٍ، كما يكون لو قلتَ مثلاً:

"رجلان حَمّالان".

ومما اعْتِيدَ فيه أن يَجيءَ خَبراً قد بُني على مُبتدأ محذوفٍ، قولُهم بعد أن يَذْكُروا الرجلَ: "فَتًى من صفته كذا"، و "أغر من صفته كيت وكيت" كقوله:

ألا لا فَتًى بعْدَ ابنِ ناشرةَ الفَتىولا عرْف إلاَّ قد تَوَلَّى وأَدْبَرا
فَتًى حنظليٌّ ما تَزالُ ركابُهتجودُ بمعروفٍ وتُنْكِرُ منكرًا

وقوله:

سأَشْكُرُ عَمْراً إنْ تراخَتْ منيَّتيأياديَ لم تُمْنَنْ، وإنْ هيَ جلَّتِ
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
فتىً غيرُ محجوبِ الغِنى عن صديقِهِولا مُظْهِرُ الشَّكوى إذا النعل زلت
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة

ومن ذلك قول جميل:

وَهَلْ بُثَيْنَةُ، يا لَلْنّاسِ، قاضِيَتيدَيْني؟ وفاعِلةٌ خَيْراً فأَجزِيها؟
تَرْنُو بعينيْ مهاةٍ أَقْصَدتْ بِهماقلْبي عشيةَ تَرْميني وأَرْميها
هَيْفاءُ مُقْبِلةً، عَجْزاءُ مُدْبِرةً،رَياَّ العِظام، بلا عَيْبٍ يُرى فيها
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فهل بثينة يا للناس قاضيتي »
منَ الأَوانسِ مِكْسالٌ، مُبَتَّلةٌخَوْدٌ، غَذاها بِلينِ العيش غاديها
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فهل بثينة يا للناس قاضيتي »

وقوله أيضًا:

إِني عشيةَ رحْتُ وَهْيَ حزينةٌتَشْكُو إليَّ صبابة لصبور
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «زوروا بثينة فالحبيب مزور»
وتقول: بنت عِنْدِي، فديتُكَ، لَيْلَةًأَشْكو إليكَ، فإنَّ ذاكَ يسيرُ
غرَّاءُ مبْسَامٌ، كأنَّ حديثَهادُرٍّ تحدَّرَ نظمه منثور
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «زوروا بثينة فالحبيب مزور»
مخطوطة المَتْنَيْنِ، مُضْمَرةُ الحَشا،رَياَّ الرَّوادِفِ، خَلْقُها ممكُورُ

وقولِ الأُقيْشر في ابْنِ عَمِّ له موسرٍ، سألَهُ فمنعَه وقال: كَمْ أعطيكَ مالي وأنتَ تنفقه فيما لا يغنيك؟ والله لا أعطيتك. فتكره حتى اجتمعَ القومُ في ناديهم وَهوَ فيهم، فشَكاهُ إلى القوم وذمَّه، فوثَبَ إليه ابنُ عمه فلطمه، فأنشأ يقول:

سَريعٌ إلى ابْنِ العَمِّ يلْطِمُ وَجهَهُ،وليسَ إلى داعي النَّدى بِسَريعِ
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة
حَريصٌ على الدُّنيا، مُضِيعٌ لدِينِهِ،ولَيْسَ لِمَا في بَيْتِهِ بمُضِيعِ
للشاعر الأُقَيشِرِ الأَسَدِيّ، اقرأ القصيدة

فتأمَّل الآنَ هذه الأبياتَ كلَّها، واسْتَقْرِها واحداً واحداً، وانظرْ إلى مَوقِعها في نفسِك، وإلى ما تَجدُه مِنَ اللطفِ والظَّرْفِ إذا أنتَ مررت بموضع الحذف منها، ثم فليت النفسَ عما تَجدُ، وأَلْطفْتَ النظَرَ فيما تُحِسُّ به. ثُمَّ تَكلَّفْ أَن تَرُدَّ ما حذَفَ الشاعرُ، وأن تُخرجَه إلى لفظِك، وتُوقِعَه في سمعكَ، فإِنك تَعلمُ أنَّ الذي قلتُ كما قلتُ، وأنْ رُبَّ حَذْفٍ هو قِلادَةُ الجِيد، وقاعدةُ التَّجويد، وإنْ أردتَ ما هو أَصْدقُ من ذلك شهادةً، وأدلُّ دلالةً، فانظرْ إلى قولِ عبدِ الله بنِ الزَّبير يذكُر غريماً له قد ألح عليه:

عرَضْتُ على زيدٍ ليأخذَ بعضَ مايُحاوِلُه قَبْلَ اعتراضِ الشَّواغِلِ
فدَبَّ دبيبَ البغْلِ يأْلَمُ ظَهْرُهُوقالَ: تَعلَّمْ، أَنني غيرُ فاعلِ
تثاءَبَ حتى قلْتُ: داسِعُ نفْسِهوأَخْرَجَ أَنياباً لهُ كالمَعَاوِلِ
للشاعر عبد الله بن الزبير الأسدي، اقرأ القصيدة

الأَصلُ: حتى قلتُ: "هو داسِعُ نفْسِه"، أي حسبْتُه من شدِّة التَّثاؤب، وممَّا به من الجهْدِ، يقذِفُ نفْسَه من جوفه، ويُخرجُها من صدره، كما يدْسَعُ البعيرُ جِرَّته. ثم إنَّك تَرى نصْبةَ الكلام وهيئتَه تَرومُ منك أنْ تَنْسى هذا المبتدأ، وتباعدَه عن وَهْمك، وتَجتهدُ أن لا يدورَ في خَلَدِكَ، ولا يَعْرِضَ لخاطرك، وتَراكَ كأنَّك تَتوقَّاه تَوَقِّيَ الشِّيءِ تكره مكانه، والثقيل تخشى هجومه.

أمثلة من لطيف حذف المبتدأ:

ومن لَطِيفِ الحَذْف قولُ بكْر بن النَّطَّاح:

العين تبدي الحب والغضاوتُظْهِرُ الإبرامَ والنَّقْضا
دُرَّةُ، ما أَنصفْتِنِي في الهَوَىولا رَحِمْتَ الجَسَدَ المُنْضَى
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
غَضْبَى، ولا واللهِ يا أَهلَهالا أَطْعمُ البارِدَ أوْ ترضى

يقوله في جاريةٍ كان يُحبُّها، وسُعِيَ به إلى أهلِها فمنعوها منه.

والمقصودُ قولهُ: "غَضْبَى"، وذلك أنَّ التقديرَ "هي غضبى" أو "غضبى هي" لا محالة، أَلا تَرى أَنك تَرى النفسَ كيف تَتفادى من إظهارِ هذا المحذوفِ، وكيف تأنَسُ إلى إضمارهِ؟ وتَرى الملاحةَ كيف تَذهبُ إن أنتَ رُمْتَ التكلم به؟

ومن جيِّد الأمثلةِ في هذا الباب قولُ الآخرِ، يخاطبُ امرأتَه وقد لامَتْه على الجود:

قالَتْ سُمَيَّةُ: قَدْ غَوَيْتَ بأنْ رأَتْحَقاًّ تناوب مالنا ووفود
للشاعر مَعُوِّد الحكماء، اقرأ القصيدة
غَيٌّ لعَمْرِكِ لا أزالُ أَعودُهما دامَ مال عندنا موجود
للشاعر مَعُوِّد الحكماء، اقرأ القصيدة

المعنى: "ذاك غيٌّ لا أزالُ أعودُ إليه، فدعي عنك لومي".

خلاصة في شأن ما يحذف:

وإذ عرفْتَ هذه الجملةَ من حالِ الحذْفِ في المبتدأ، فاعلمْ أنَّ ذلك سبيلُه في كلِّ شيء، فما مِن اسْمٍ أو فعلٍ تَجدُه قد حُذِفَ، ثم أُصيبَ به موضعُه، وحُذِفَ في الحال يَنْبغي أن يُحذَفَ فيها، إلاَّ وأنت تَجدُ حذْفَه هناك أَحْسَنَ من ذكرهِ، وترة إضمارَهُ في النفس أَوْلى وآنسَ مِنَ النُّطْقِ به.

النص من طبعة مطبعة المدني بالقاهرة (١٤١٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه وفهارسه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دلائل الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.