من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الثالث في ذم الحرص والطمع وطول الأمل
قال الله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ
وروي أن النبي ﷺ قرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ
قال: يقول ابن آدم مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، وتصدقت فأمضيت.
وروى عروة بن الزبير عن عائشة ﵂، أن النبي ﷺ قال: «يا عائشة إن أردت اللحوق بي، فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلقي ثوبا حتى ترقعيه».
وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وهلاك آخره هذه الأمة بالبخل والأمل».
وقيل: الحرص ينقص من قدر الإنسان ولا يزيد في رزقه، وقيل لحكيم: ما بال الشيخ أحرص على الدنيا من الشاب؟ قال: لأنه ذاق من طعم الدنيا ما لم يذقه الشاب.
وما أحسن ما قال بعضهم:
إذا طاوعت حرصك كنت عبدالكلّ دنيئة تدعى إليها
وقال آخر وأجاد:
قد شاب رأسي ورأس الدهر لم يشبإن الحريص على الدنيا لفي تعب
وقيل للإسكندر: ما سرور الدنيا؟ قال: الرضا بما رزقت منها. قيل: فما غمها؟ قال: الحرص عليها.
وقال الحسن: لو رأيت الأجل ومروره لنسيت الأمل وغروره.
وقال أبو سعيد الخدري ﵁: إشترى أسامة بن زيد وليدة بمائة دينار إلى شهر، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: ألا تعجبون من أسامة اشترى إلى شهر؟ إن أسامة لطويل الأمل.
وقال ابن عباس ﵄: كان نبي الله ﷺ يخرج فيبول ثم يمسح بالتراب، فأقول: إن الماء منك قريب، فيقول: ما يدريني لعلي ما أبلغه.
وعن أبي هريرة ﵁ يرفعه: لا يزال الكبير شابا في اثنين، حب المال وطول الأمل.
وقيل لمحمد بن واسع: كيف تجدك؟ قال: قصير الأجل، طويل الأمل، مسيء العمل، وقيل: من جرى في عنان أمله كان عاثرا بأجله، لو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال.
ولقد أحسن أبو العباس أحمد بن مروان في قوله:
وذي حرص تراه يلمّ وفرالوارثه ويدفع عن حماه
ككلب الصيد يمسك وهو طاوفريسته ليأكلها سواه
ولقد أحسن من قال في الجناس الحقيقي:
إذا ما نازعتك النفس حرصافأمسكها عن الشهوات أمسك
ولا تحرص ليوم أنت فيهوعدّ فرزق يومك رزق أمسك
ومن كلام الحكماء: إياكم وطول الأمل، فإن من ألهاه أمله أخزاه عمله.
قال عبد الصمد بن المعدل:
ولي أمل قد قطعت به اللياليأراني قد فنيت به وداما
قال الحسن: إياكم وهذه الأماني، فإنه لم يعط أحد بالأمنية خيرا قط في الدنيا ولا في الآخرة.
وقال قس بن ساعدة:
وما قد تولى فهو لا شك فائتفهل ينفعنّي ليتني ولعلّني
وقال آخر:
ولا تتعلّل بالأماني فإنّهاعطايا أحاديث النفوس الكواذب
وقال آخر وأجاد:
الله أصدق والآمال كاذبةوجلّ هذي المنى في الصّدر وسواس
(وقال آخر):
شطّ المزار بسعدى وانتهى الأملفلا خيال ولا رسم ولا طلل
إلّا رجاء فما ندري أندركهأم يستمرّ فيأتي دونه الأجل
وقال أبو العتاهية:
لقد لعبت وجدّ الموت في طلبيوأن في الموت لي شغلا عن اللعب
ولو سمت فكرتي فيما خلقت لهما اشتدّ حرصي على الدنيا ولا طلبي
وله أيضا:
تعالى الله يا سلم بن عمروأذلّ الحرص أعناق الرجال
هب الدنيا تقاد إليك عفواأليس مصير ذلك للزوال
وقد ضمّنت البيت الأخير فقلت:
أيا من عاش في الدنيا طويلاوأفنى العمر في قيل وقال
وأتعب نفسه فيما سيفنىوجمّع من حرام أو حلال
هب الدنيا تقاد إليك عفواأليس مصير ذلك للزوال
ومما جاء في الطمع وذمه:
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع، وقال ﵁: ما الخمر صرفا بأذهب لعقول الرجال من الطمع.
وفي الحديث: «إياك والطمع فإنه الفقر الحاضر». وقال فيلسوف: العبيد ثلاثة: عبد رقّ، وعبد شهوة، وعبد طمع. وقال بعضهم: من أراد أن يعيش حرا أيام حياته فلا يسكن قلبه الطمع.
وقيل: اجتمع كعب وعبد الله بن سلّام فقال له كعب: يا ابن سلّام من أرباب العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال:
فما أذهب العلم عن قلوب العلماء بعد أن علموه، قال:
الطمع وشره النفس، وطلب الحوائج إلى الناس.
واجتمع الفضل وسفيان وابن كريمة اليربوعي، فتواصوا ثم افترقوا وهم مجمعون على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الطمع.
وقيل: لما خلق الله آدم ﵇ عجن بطينته ثلاثة أشياء: الحرص، والطمع، والحسد فهي تجري في أولاده
إلى يوم القيامة، فالعاقل يخفيها، والجاهل يبديها، ومعناه أن الله تعالى خلق شهوتها فيه.
قال إسماعيل بن قطري القراطيسي:
حسبي بعلمي إن نفعما الذلّ إلّا في الطمع
من راقب الله نزععن سوء ما كان صنع
ما طار طير وارتفعإلا كما طار وقع
وقال سابق البربري:
يخادع ريب الدهر عن نفسه الفتىسفاها وريب الدهر عنها يخادعه
ويطمع في سوف ويهلك دونهاوكم من حريص أهلكته مطامعه
وقيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأفت خبزي، وقال أيضا: ما رأيت رجلين يتسارّان في جنازة إلا قدرت أن الميت أوصى لي بشيء من ماله، وما زفت عروس إلا كنست بيتي رجاء أن يغلطوا فيدخلوا بها إليّ.
قال بعضهم:
لا تغضبنّ على امرىءلك مانع ما في يديه
واغضب على الطّمع الذي استدعاك تطلب ما لديه
والله ﷾ أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
قال الله تعالى لنبيه ﷺ: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
واختلف أهل التأويل في أمره بالمشاورة مع ما أمده الله تعالى من التوفيق على ثلاثة أوجه:
أحدها أنه أمره بها في الحرب ليستقر له الرأي الصحيح، فيعمل عليه، وهذا قول الحسن.
ثانيها: أنه أمره بالمشاورة لما علم فيها من الفضل، وهذا قول الضحاك.
ثالثها: أنه أمره بمشاورتهم ليستن به المسلمون وإن كان في غنية عن مشورتهم، وهذا قول سفيان.
وقال ابن عيينة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أمرا شاور فيه الرجال، وكيف يحتاج إلى مشاورة المخلوقين من الخالق مدبر أمره، ولكنه تعليم منه ليشاور الرجل الناس، وإن كان عالما.
وقال ﵊: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد». وقال ﵊: «من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ».
وكان يقال: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة. وقال حكيم: المشورة موكل بها التوفيق لصواب الرأي.
وقال الحسن: الناس ثلاثة، فرجل رجل، ورجل نصف رجل، ورجل لا رجل. فأما الرجل الرجل فذو الرأي والمشورة، وأما الرجل الذي هو نصف رجل، فالذي له رأي ولا يشاور، وأما الرجل الذي ليس برجل، فالذي ليس له رأي ولا يشاور.
وقال المنصور لولده: خذ عني اثنتين: لا تقل في غير تفكير، ولا تعمل بغير تدبير.
وقال الفضل: المشورة فيها بركة وإني لأستشير حتى هذه الحبشية الأعجمية.
وقال أعرابي: لا مال أوفر من العقل، ولا فقر أعظم من الجهل، ولا ظهر أقوى من المشورة. وقيل: من بدأ بالاستخارة، وثنّى بالاستشارة، فحقيق أن لا يخيب رأيه.
وقيل: الرأي السديد أحمى من البطل الشديد.
قال أبو القاسم النهروندي:
وما ألف مطرور السّنان مسدّديعارض يوم الروع رأيا مسددا
وقال علي ﵁: خاطر من استغنى برأيه.
وسمع محمد بن داود وزير المأمون قول القائل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمةفإن فساد الرأي أن يتردّدا
فأضاف إليه قوله:
وإن كنت ذا عزم فانفذه عاجلافإن فساد العزم أن يتقيّدا
ولمحمد بن إدريس الطائي:
ذهب الصواب برأيه فكأنّماآراؤه اشتقت من التأييد
فإذا دجا خطب تبلّج رأيهصبحا من التوفيق والتسديد
ولمحمد الوراق:
إنّ البيب إذا تفرّق أمرهفتق الأمور مناظرا ومشاورا
وأخو الجهالة يستبدّ برأيهفتراه يعتسف الأمور مخاطرا
وقال الرشيد حين بدا له تقديم الأمين على المأمون في العهد:
لقد بان وجه الرأي لي غير أنّنيعدلت عن الأمر الذي كان أحزما
فكيف يردّ الدرّ في الضرع بعدماتوزّع حتى صار نهبا مقسّما
أخاف التواء الأمر بعد استوائهوأن ينقض الحبل الذي كان أبرما
وقال آخر:
خليليّ ليس الرأي في جنب واحدأشيرا عليّ اليوم ما تريان
ووصف رجل عضد الدولة فقال له: وجه فيه ألف عين، وفم فيه ألف لسان، وصدر فيه ألف قلب.
وقال أزدشير بن بابك: أربعة تحتاج إلى أربعة.
الحسب إلى الأدب، والسرور إلى الأمن، والقرابة إلى المودة، والعقل إلى التجربة. وقال: لا تستحقر الرأي الجزيل من الرجل الحقير، فإن الدرّة لا يستهان بها لهوان غائصها.
وقال جعفر بن محمد: لا تكونن أول مشير، وإياك والرأي الخطير، وتجنب ارتجال الكلام، ولا تشيرن على مستبد برأيه، ولا على متلون، ولا على لحوح.
وقيل: ينبغي أن يكون المستشار صحيح العلم، مهذب الرأي، فليس كل عالم يعرف الرأي الصائب، وكم ناقد في شيء ضعيف في غيره.
قال أبو الأسود الدؤلي:
وما كلّ ذي نصح بمؤتيك نصحهوما كلّ مؤت نصحه بلبيب
ولكن إذا ما استجمعا عند واحدفحقّ له من طاعة بنصيب
وكان اليونان والفرس لا يجمعون وزراءهم على أمر يستشيرونهم فيه وإنما يستشيرون الواحد منهم من غير أن يعلم الآخر به لمعان شتى، منها:
لئلا يقع بين المستشارين منافسة، فتذهب إصابة الرأي، لأن من طباع المشتركين في الأمر التنافس والطعن من بعضهم في بعض.
وربما سبق أحدهم بالرأي الصواب فحسدوه وعارضوه.
وفي اجتماعهم أيضا للمشورة تعريض السر للإذاعة، فإذا كان كذلك وأذيع السر لم يقدر الملك على مقابلة من أذاعه للإبهام. فإن عاقب الكل عاقبهم بذنب واحد، وإن عفا عنهم ألحق الجاني بمن لا ذنب له.
وقيل: إذا أشار عليك صاحبك برأي ولم تحمد عاقبته فلا تجعلن ذلك عليه لوما وعتابا بأن تقول: أنت فعلت، وأنت أمرتني، ولولا أنت، فهذا كله ضجر ولوم وخفة.
وقال أفلاطون: إذا استشارك عدوك، فجرّد له النصيحة لأنه بالاستشارة قد خرج عن عداوتك إلى موالاتك.
وقيل: من بذل نصحه واجتهاده لمن لا يشكره فهو كمن بذر في السباخ.
قال الشاعر يمدح من له رأي وبصيرة:
بصير بأعقاب الأمور كأنّمايخاطبه من كل أمر عواقبه
وقال ابن المعتز: المشورة راحة لك، وتعب على غيرك. وقال الأحنف: لا تشاور الجائع حتى يشبع، ولا العطشان حتى يروى، ولا الأسير حتى يطلق، ولا المقل حتى يجد.
ولما أراد نوح بن مريم قاضي مروان أن يزوج ابنته استشار جارا له مجوسيا، فقال: سبحان الله! الناس يستفتونك وأنك تستفتيني. قال: لا بد أن تشير عليّ.
قال: إن رئيس الفرس كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار الحسب، ورئيسكم محمد كان يختار الدين، فانظر لنفسك بمن تقتدي.
وكان يقال: من أعطى أربعا لم يمنع أربعا، من أعطى الشكر لم يمنع المزيد، ومن أعطى التوبة لم يمنع القبول، ومن أعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة، ومن أعطى المشورة لم يمنع الصواب.
وقيل: إذا استخار الرجل ربه واستشار صحبه وأجهد رأيه فقد قضى ما عليه، ويقضي الله تعالى في أمره ما يحب.
وقال بعضهم: خمير الرأي خير من فطيره، وتقديمه خير من تأخيره.
وقالت الحكماء: لا تشاور معلما، ولا راعي غنم، ولا كثير القعود مع النساء، ولا صاحب حاجة يريد قضاءها، ولا خائفا، ولا حاقنا. وقيل: سبعة لا ينبغي لصاحب أن يشاورهم. جاهل، وعدو وحسود، ومراء، وجبان، وبخيل، وذو هوى، فإن الجاهل يضل، والعدو يريد الهلاك، والحسود يتمنّى زوال النعمة، والمرائي واقف مع رضا الناس، والجبان من رأيه الهرب، والبخيل حريص على جمع المال فلا رأي له في غيره، وذو الهوى أسير هواه فلا يقدر على مخالفته.
وحكي أن رجلا من أهل يثرب يعرف بالأسلمي قال:
ركبني دين أثقل كاهلي، وطالبني به مستحقوه، واشتدت حاجتي إلى ما لا بد منه، وضاقت عليّ الأرض، ولم أهتد إلى ما أصنع، فشاورت من أثق به من ذوي المودة والرأي، فأشار عليّ بقصد المهلب بن أبي صفرة بالعراق، فقلت له: تمنعني المشقة وبعد الشقة وتيه المهلب، ثم إني عدلت عن ذلك المشير إلى استشارة غيره، فلا والله ما زادني على ما ذكره الصديق الأول، فرأيت أن قبول المشورة خير من مخالفتها، فركبت ناقتي وصحبت رفقة في الطريق، وقصدت العراق، فلما وصلت دخلت على المهلب، فسلمت عليه وقلت له: أصلح الله الأمير إني قطعت إليك الدهناء، وضربت أكباد الإبل من يثرب، فإنه أشار عليّ بعض ذوي الحجى والرأي بقصدك لقضاء حاجتي، فقال: هل أتيتنا بوسيلة أو بقرابة وعشيرة، فقلت: لا. ولكني رأيتك أهلا لقضاء حاجتي، فإن قمت بها فأهل لذلك أنت، وأن يحل دونها حائل لم أذم يومك، ولم أيأس من غدك، فقال المهلب لحاجبه: اذهب به وادفع إليه ما في خزانة مالنا الساعة، فأخذني معه، فوجدت في خزانته ثمانين ألف درهم، فدفعها إليّ، فلما رأيت ذلك لم أملك نفسي فرحا وسرورا، ثم عاد الحاجب بي إليه مسرعا، فقال: هل ما وصلك يقوم بقضاء حاجتك؟ فقلت: نعم أيها الأمير وزيادة، فقال: الحمد لله على نجح سعيك، واجتنائك جني مشورتك، وتحقق ظن من أشار عليك بقصدنا، قال الأسلمي: فلما سمعت كلامه وقد أحرزت صلته أنشدته وأنا واقف بين يديه:
يا من على الجود صاغ الله راحتهفليس يحسن غير البذل والجود
عمّت عطاياك أهل الأرض قاطبةفأنت والجود منحوتان من عود
من استشار فباب النجح منفتحلديه فيما ابتغاه غير مردود
ثم عدت إلى المدينة فقضيت ديني، ووسعت على أهلي، وجازيت المشير عليّ، وعاهدت الله تعالى أن لا أترك الاستشارة في جميع أموري ما عشت.
وحكي عن الخليفة المنصور أنه كان صدر من عمه عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس أمور مؤلمة لا تحتملها حراسة الخلافة ولا تتجاوز عنها سياسة الملك، فحبسه عنده، ثم بلغه عن ابن عمه عيسى بن موسى بن علي، وكان واليا على الكوفة ما أفسد عقيدته
فيه، وأوحشه منه، وصرف وجه ميله إليه عنه، فتألم المنصور من ذلك وساء ظنه، وتأرق جفنه، وقلّ أمنه، وتزايد خوفه، وحزنه، فأدته فكرته إلى أمر دبره وكتمه عن جميع حاشيته وستره، واستحضر ابن عمه عيسى بن موسى وأجراه على عادة إكرامه، ثم أخرج من كان بحضرته وأقبل على عيسى وقال له: يا ابن العم إني مطلعك على أمر لا أجد غيرك من أهله، ولا أرى سواك مساعدا لي على حمل ثقله، فهل أنت في موضع ظني بك، وعامل ما فيه بقاء نعمتك التي هي منوطة ببقاء ملكي، فقال له عيسى بن موسى: أنا عبد أمير المؤمنين ونفسي طوع أمره ونهيه، فقال: إن عمي وعمك عبد الله قد فسدت بطانته، واعتمد على ما بعضه يبيح دمه، وفي قتله صلاح ملكنا، فخذه إليك واقتله سرا، ثم سلمه إليه، وعزم المنصور على الحج مضمرا أن ابن عمه عيسى إذا قتل عمه عبد الله ألزمه القصاص، وسلمه إلى أعمامه أخوة عبد الله ليقتلوه به قصاصا، فيكون قد استراح من الاثنين عبد الله وعيسى. قال عيسى: فلما أخذت عمي وفكرت في قتله رأيت من الرأي أن أشاور في قضيته من له رأي عسى أن أصيب الصواب في ذلك، فأحضرت يونس ابن قرة الكاتب، وكان لي حسن ظن في رأيه، وعقيدة صالحة في معروفه، فقلت له: إن أمير المؤمنين دفع إليّ عمه عبد الله وأمرني بقتله وإخفاء أمره، فما رأيك في ذلك وما تشير به؟
فقال لي يونس: أيها الأمير احفظ نفسك يحفظ عمك وعم أمير المؤمنين، فإني أرى لك أن تدخله في مكان داخل دارك وتكتم أمره عن كل أحد ممن عندك، وتتولى بنفسك حمل طعامه وشرابه إليه، وتجعل دونه مغالق وأبوابا، وأظهر لأمير المؤمنين أنك قتلته وأنفذت أمره فيه، وانتهيت إلى العمل بطاعته، فكأني به إذا تحقق منك أنك فعلت ما أمرك به، وقتلت عمه أمرك بإحضاره على رؤوس الأشهاد، فإن اعترفت أنك قتلته بأمره أنكر أمره لك وآخذك بقتله وقتلك.
قال عيسى بن موسى: فقبلت مشورة يونس وعملت بها، وأظهرت لأمير المؤمنين أني أنفذت أمره، ثم حج المنصور، فلما قدم من حجه وقد استقر في نفسه أنني قد قتلت عمه عبد الله دسّ إليّ عمومته أخوة عبد الله، وحثهم على أن يسألوه في أخيهم، ويستوهبوه منه، فجاءوا إليه وقد جلس والناس بين يديه على مراتبهم، فسألوه في عبد الله فقال: نعم إن حقوقكم تقتضي إسعافكم بحاجتكم كيف وفيها صلة رحم وإحسان إلى من هو في مقام الوالد، ثم أمر بإحضار عيسى بن موسى، فأحضر لوقته فقال:
يا عيسى كنت دفعت إليك قبل خروجي إلى الحج عمي عبد الله ليكون عندك في منزلك إلى حين رجوعي، فقال عيسى: قد فعلت يا أمير المؤمنين. فقال المنصور: وقد سألني فيه عمومتك وقد رأيت الصفح عنه وقضاء حاجتهم وصلة الرحم بإجابة سؤالهم فيه، فائتنا به الساعة.
قال عيسى: فقلت يا أمير المؤمنين ألم تأمرني بقتله والمبادرة إلى ذلك؟ قال: كذبت لم آمرك بذلك ولو أردت قتله لأسلمته إلى من هو بصدد ذلك، ثم أظهر الغيظ، وقال لعمومته: قد أقر بقتل أخيكم مدعيا أنني أمرته بقتله، وقد كذب عليّ.
قالوا: يا أمير المؤمنين فادفعه إلينا لنقتله به ونقتص منه، فقال: شأنكم به. قال عيسى: فأخذوني إلى الرحبة واجتمع الناس عليّ، فقام واحد من عمومتي إلي وسل سيفه ليضربني به، فقلت له: يا عم أفاعل أنت؟ قال: أي والله كيف لا أقتلك وقد قتلت أخي فقال لهم: لا تعجلوا وردوني إلى أمير المؤمنين فردوني إليه فقلت: يا أمير المؤمنين إنما أردت قتلي بقتله، والذي دبرته علي عصمني الله تعالى من فعله، وهذا عمك باق حي سوي، فإن أمرتني بدفعه إليهم دفعته الساعة.
فأطرق المنصور، وعلم أن ريح فكره صادفت إعصارا وأن انفراده بتدبيره قارف خسارا، ثم رفع رأسه وقال: ائتنا به، فمضى عيسى وأحضر عبد الله، فلما رآه المنصور قال لعمومته: اتركوه عندي وانصرفوا حتى أرى فيه رأيا. قال عيسى: فتركته وانصرفت وانصرف إخوته، فسلمت روحي، وزالت كربتي، وكان ذلك ببركة الاستشارة بيونس وقبول مشورته والعمل بها، ثم إن المنصور أسكن عبد الله في بيت أساسه قد بني على الملح ثم أرسل الماء حوله ليلا فذاب الملح وسقط البيت، فمات عبد الله، ودفن بمقابر باب الشام، وسلم عيسى من هذه المكيدة ومن سهام مراميها البعيدة.
ومما جاء في النصيحة: إعلموا أن النصيحة للمسلمين وللخلائق أجمعين من سنن المرسلين، قال الله تعالى إخبارا عن نوح ﵊: وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
. وقال شعيب ﵇:
وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ
وقال صالح ﵇: وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ
وروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال:
«إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة».
قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم.
فالنصح لله هو وصفه بما هو أهله وتنزيهه عما ليس له بأهل، والقيام بتعظيمه، والخضوع له ظاهرا وباطنا، والرغبة في محابه والبعد عن مساخطه، وموالاة من أطاعه، ومعاداة من عصاه، والجهاد في رد العصاة إلى طاعته قولا وفعلا. والنصيحة لكتابه إقامته في التلاوة، وتحسينه عند القراءة. وتفهم ما فيه، والذب عنه من تأويل المحدثين وطعن الطاعنين، وتعليم ما فيه للخلائق أجمعين. قال الله تعالى: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
. والنصيحة للرسول ﵇ إحياء سنته بالطلب لها وإحياء طريقته في بث الدعوى، وتأليف الكلمة، والتخلق بالأخلاق الطاهرة، والنصيحة للأئمة معاونتهم على ما كلفوا القيام به بتنبيههم عند الغفلة، وإرشادهم عند الهفوة، وتعليمهم ما جهلوا، وتحذيرهم ممن يريد بهم السوء، وإعلامهم بأخلاق عمالهم وسيرتهم في الرعية، وسد خلتهم عند الحاجة، ورد القلوب النافرة إليهم. والنصيحة العامة للمسلمين الشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم والرحمة لصغيرهم وتفريج كربهم وتوقي ما يشغل خواطرهم، ويفتح باب الوسواس عليهم.
واعلم أن جرعة النصيحة مرّة لا يقبلها إلا أولو العزم.
وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز ﵁: قل لي في وجهي ما أكره، فإن الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره.
وفي منثور الحكم: ودّك من نصحك وقلاك من مشى في هواك. وقال أبو الدرداء ﵁: إن شئتم لأنصحن لكم إن أحب عباد الله إلى الله الذين يحببون الله تعالى إلى عباده ويعملون في الأرض نصحا.
ولورقة بن نوفل:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهمإنّي النذير فلا يغرركم أحد
لا شيء مما ترى تبقى بشاشتهإلا الإله ويردى المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما ذخائرهوالخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
وقال بعض الخلفاء لجرير بن يزيد: إني قد أعددتك لأمر. قال: يا أمير المؤمنين. إن الله تعالى قد أعد لك مني قلبا معقودا بنصحيتك، ويدا مبسوطة لطاعتك، وسيفا مجردا على عدوك.
وأنشد الأصمعي:
النصح أرخص ما باع الرجال فلاتردد على ناصح نصحا ولا تلم
إنّ النصائح لا تخفى مناهلهاعلى الرجال ذوي الألباب والفهم
ولمعاذ بن مسلم:
نصحتك والنصيحة إن تعدّتهوى المنصوح عزّ لها القبول
فخالفت الذي لك فيه حظفنالك دون ما أمّلت غول
وقيل: أشار فيروز بن حصين على يزيد بن المهلب أن لا يضع يده في يد الحجاج فلم يقبل منه، وسار إليه، فحبسه وحبس أهله فقال فيروز:
أمرتك أمرا حازما فعصيتنيفأصبحت مسلوب الإمارة نادما
أمرتك بالحجاج إذ أنت قادرفنفسك أولي اللوم إن كنت لائما
فما أنا الباكي عليك صبابةوما أنا بالدّاعي لترجع سالما
ويقال: من اصفرّ وجهه من النصيحة، اسودّ لونه من الفضيحة.
وقال طرفة:
ولا ترفدنّ النصح من ليس أهله وكن حين تستغني برأيك غانيا
وإنّ امرأ يوما تولّى برأيهفدعه يصيب الرشد أو يك غاويا
وفي مثله قال بعضهم:
من الناس من أن يستشرك فتجتهدله الرأي يستغششك ما لم تتابعه
فلا تمنحن الرأي من ليس أهلهفلا أنت محمود ولا الرأي نافعه
والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
قال الله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
وقال الله تعالى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
. وقال تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
. وقال تعالى: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
. وقال تعالى:
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ
. والآيات في ذلك كثيرة مشهورة وفوائدها جمة منشورة.
وروينا في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
وقال شيخنا محيى الدين النووي رحمة الله تعالى عليه في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
. إن هذه الآية الكريمة مما يغتر بها أكثر الجاهلين ويحملونها على غير وجهها بل الصواب في معناها أنكم إذا فعلتم ما أمرتم به لا يضركم ضلالة من ضل.
ومن جملة ما أمروا به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآية مرتبة في المعنى على قوله تعالى: ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
وقال محمد بن تمام: الموعظة جند من جنود الله تعالى، ومثلها مثل الطين يضرب به على الحائط إن استمسك نفع وإن وقع أثر.
ومن كلام عليّ رضي الله تعالى عنه: لا تكونن ممن لا تنفعه الموعظة إلا إذا بالغت في إيلامه، فإن العاقل يتعظ بالأدب، والبهائم لا تتعظ إلا بالضرب.
وأنشد الجاحظ:
وليس يزجركم ما توعظون بهوالبهم يزجرها الراعي فتنزجر
وكتب رجل إلى صديق له: أما بعد، فعظ الناس بفعلك ولا تعظهم بقولك، واستح من الله بقدر قربه منك، وخفه بقدر قدرته عليك والسلام. وقيل: من كان له من نفسه واعظ كان له من الله حافظ، وقال لقمان: الموعظة تشق على السفيه كما يشق صعود الوعر على الشيخ الكبير. قيل: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: إنك إن أتيتني بعبد آبق كتبتك عندي حميدا، ومن كتبته عندي حميدا لم أعذبه بعدها أبدا.
وقال الرشيد لمنصور بن عمار: عظني وأوجز، فقال:
يا أمير المؤمنين: هل أحد أحب إليك من نفسك، قال:
لا. قال: إن أردت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل.
وقال النبي ﷺ في بعض خطبه: أيها الناس الأيام تطوى، والأعمار تفنى، والأبدان في الثرى تبلى، وأن الليل والنهار يتراكضان تراكض البريد، ويقربان كل بعيد، ويخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات ورغب في الباقيات الصالحات.
ولما لقي ميمون بن مهران الحسن البصري قال له: لقد كنت أحب أن ألقاك فعظني، فقرأ الحسن البصري:
أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
. أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ
. فقال: عليك السلام أبا سعيد لقد وعظتني أحسن موعظة.
ولما ضرب ابن ملجم لعنه الله عليا ﵁، دخل منزله فاعترته غشية ثم أفاق، فدعا الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وقال: أوصيكما بتقوى الله تعالى، والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، ولا تأسفا على شيء فاتكما منها، فإنكما عنها راحلان. افعلا الخير وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا، ثم دعا محمدا ولده وقال له:
أما سمعت ما أوصيت به أخويك، قال: بلى. قال: فإني أوصيك به، وعليك ببر أخويك وتوقيرهما، ومعرفة فضلهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم أقبل عليهما وقال:
أوصيكما به خيرا، فإنه أخوكما وابن أبيكما وأنتما تعلمان أن أباه كان يحبه، فأحباه، ثم قال: يا بني أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، يا بني ما شرّ بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، يا بني من أبصر عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه هتكت عورات بنيه، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوءاتهم، ومن جالس العلماء وقر، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه وقل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني الأدب ميزان الرجل، وحسن الخلق خير قرين، يا بني العافية عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت إلا عن ذكر الله تعالى، وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، يا بني زينة الفقر الصبر، وزينة الغنى الشكر. يا بني لا شرف أعلى من الإسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا شفيع أنجح من التوبة، ولا لباس أجمل من العافية. يا بني الحرص مفتاح التعب ومطية النّصب.
ولما حضرت هشام بن عبد الملك الوفاة، نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا، وجدتم له بالبكاء، وترك لكم جميع ما جمع، وتركتم عليه ما حمل، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.
وقال الأوزاعي للمنصور في بعض كلامه: يا أمير المؤمنين أما علمت أنه كان بيد رسول الله ﷺ جريدة يابسة يستاك بها ويردع بها المنافقين، فأتاه جبريل ﵇. فقال: يا محمد ما هذه الجريدة التي بيدك؟ اقذفها لا تمتلأ قلوبهم رعبا، فكيف بمن سفك دماء المسلمين، وانتهب أموالهم، يا أمير المؤمنين: إن المغفور له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر دعا إلى القصاص من نفسه بخدشة خدشها أعرابيا من غير تعمد. يا أمير المؤمنين: لو أن ذنوبا من النار صبّ، ووضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتجرعه، ولو أن ثوبا من النار وضع على الأرض لأحرقها، فكيف بمن يتقمصه، ولو أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبل لذاب، فكيف بمن يتسلسل بها، ويرد فضلها على عاتقه.
وروى زياد عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وابن طاوس قال:
دخلنا عليه وهو جالس على فرش، وبين يديه أنطاع قد
بسطت، وجلادون بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا، فأطرق زمانا طويلا ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاوس وقال: حدثني عن أبيك.
قال: سمعت أبي يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في ملكه، فأدخل عليه الجور في حكمه». فأمسك أبو جعفر ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن ينالها شيء من دم ابن طاوس، ثم قال: يا ابن طاوس ناولني هذه الدواة. فأمسك عنه، فقال: ما يمنعك أن تناولنيها، قال: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون شريكك فيها. فلما سمع ذلك قال: قوما عني. فقال ابن طاوس: ذلك ما كنا نبغي. قال مالك: فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم.
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁، قال لكعب الأحبار: يا كعب خوّفنا. قال: أو ليس فيكم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ؟ قال: بلى يا كعب، ولكن خوفنا. فقال:
يا أمير المؤمنين اعمل، فإنك لو وافيت يوم القيامة بعمل سبعين نبيا، لازدريت عملهم مما ترى، فنكس عمر ﵁ رأسه، وأطرق مليا، ثم رفع رأسه، وقال: يا كعب خوّفنا. فقال: يا أمير المؤمنين: لو فتح من جهنم قدر منخر ثور بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى دماغه، حتى يسيل من حرها، فنكس عمر رأسه ثم أفاق، فقال:
يا كعب زدنا، فقال: يا أمير المؤمنين إن جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه يقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي.
وقال سيدي الشيخ أبو بكر الطرطوشي رحمه الله تعالى عليه: دخلت على الأفضل بن أمير الجيوش، وهو أمير على مصر، فقلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد السلام على نحو ما سلمت ردا جميلا، وأكرمني إكراما جزيلا، وأمرني بدخول مجلسه، وأمرني بالجلوس فيه. فقلت: أيها الملك إن الله تعالى قد أحلك محلا عليا شامخا، وأنزلك منزلا شريفا باذخا، وملكك طائفة من ملكه، وأشركك في حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أن يكون أحد أولى بالشكر منك، وليس الشكر باللسان، وإنما هو بالفعال والإحسان. قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
، واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عنك بمثل ما صار إليك، فاتق الله فيما خولك من هذه الأمة، فإن الله تعالى سائلك عن الفتيل والنقير والقطمير. قال الله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
، وقال تعالى: وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
، واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود ﵇، فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحش والبهائم، وسخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ثم رفع عنه حساب ذلك أجمع فقال له: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
، فو الله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولا حسبها كرامة كما حسبتموها، بل خاف أن تكون استدراجا من الله تعالى، ومكرا به. فقال: هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ
. فافتح الباب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، وأغث الملهوف، أعانك الله على نصر المظلوم، وجعلك كهفا للملهوف وأمانا للخائف. ثم أتممت المجلس بأن قلت قد جبت البلاد شرقا وغربا، فما اخترت مملكة وارتحت إليها، ولذّت لي الإقامة فيها غير هذه المملكة، ثم أنشدته:
والناس أكيس من أن يحمدوا رجلاحتى يروا عنده آثار إحسان
وقال الفضل بن الربيع: حج هارون الرشيد سنة من السنين، فبينما أنا نائم ذات ليلة إذ سمعت قرع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعا، فقلت، يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلا عالم، فانظر لي رجلا أسأله عنه، فقلت ههنا سفيان بن عيينة، فقال امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال:
يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: جد لما جئنا له، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم.
فقال: يا أبا العباس اقض دينه ثم انصرفنا.
فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا
أسأله، فقلت: ههنا عبد الرزاق بن همام، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت عليه الباب فقال: من هذا؟ قلت:
أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك، فقال جد لما جئنا به، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم. فقال:
يا أبا العباس اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال ما أغنى عني صاحبك شيئا، فانظر لي رجلا أسأله.
فقلت: ههنا الفضيل بن عياض، فقال، امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي في غرفته يتلو آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟
فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين، فقلت: سبحان الله! أما تجب عليك طاعته؟
ففتح الباب ثم ارتقى إلى أعلى الغرفة، فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف الرشيد كفي إليه، فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله تعالى؟
فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب نقي، فقال: جد لما جئنا له رحمك الله تعالى، فقال: وفيم جئت حملت على نفسك، وجميع من معك حملوا عليك، حتى لو سألتهم أن يتحملوا عنك شقصا من ذنب ما فعلوا ولكان أشدهم حبا لك أشدهم هربا منك.
ثم قال: إن عمر بن عبد العزيز ﵁ لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا عليّ.
فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة.
فقال سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله، فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها على الموت.
وقال محمد بن كعب: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى، فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم عندك أخا، وأصغرهم عندك ولدا، فبر أباك، وارحم أخاك، وتحنن على ولدك.
وقال رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى، فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت.
وإني لأقول هذا، وإني لأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا. فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق يا أمير المؤمنين، فقال: يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك، وأرفق به أنا، ثم أفاق هارون الرشيد، فقال: زدني. فقال: يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز ﵁ شكا إليه سهرا، فكتب له عمر يقول: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبدان، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك نائما ويقظان، وإياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل، فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء منك، فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فقال له: لقد خلعت قلبي بكتابك لا وليت ولاية أبدا حتى ألقى الله ﷿.
فبكي هارون بكاء شديدا، ثم قال: زدني. قال يا أمير المؤمنين: إن العباس عم النبي ﷺ جاء إليه، فقال يا رسول الله أمّرني إمارة، فقال له النبي ﷺ يا عباس:
نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها. إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل.
فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، ثم قال: زدني يرحمك الله. فقال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي ﷺ قال: من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن ناقشني. والويل إن سألني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي، قال هارون:
إنما أعني دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أو إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره. قال تعالى:
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
. فقال له هارون: هذه ألف دينار، فخذها وأنفقها على عيالك وتقوّ بها على عبادة ربك، فقال:
سبحان الله أنا دللتك على سبيل الرشاد تكافئني أنت بمثل هذا سلمك الله ووفقك، ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا
من عنده، فقال لي هارون إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، فإن هذا سيد المسلمين اليوم.
واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له شروط وصفات، قال سليمان الخواص: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الأشهاد فإنما بكّته.
وقالت أم الدرداء رضي الله تعالى عنها: من وعظ أخاه سرا فقد سره وزانه، ومن وعظه علانية فقد ساءه وشانه، ويقال: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وسره، ومن وعظه جهرا فضحه وضرّه.
وعن عبد العزيز بن أبي داود قال: كان الرجل إذا رأى من أخيه شيئا أمره في ستر، ونهاه في ستر، فيؤجر في ستره ويؤجر في أمره، ويؤجر في نهيه.
وعن عمر رضي الله تعالى عنه: إذا رأيتم أخاكم ذا زلة فقوموه وسددوه، وادعوا الله أن يرجع به إلى التوبة، فيتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم.
وبالله التوفيق إلى أقوم طريق، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع