تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الأول في الصمت وصون اللسان

قال الله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ

، وقال تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ

واعلم أنه ينبغي للعاقل المكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام إلا كلاما تظهر المصلحة فيه، ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الإمساك عنه، لأنه قد يجر الكلام والمباح إلى حرام أو مكروه بل هذا كثير وغالب في العادة والسلامة لا يعادلها شيء، وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرا أو ليصمت».

قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الكلام: إذا أراد أحدكم الكلام فعليه أن يفكر في كلامه فإن ظهرت المصلحة تكلم، وإن شك لم يتكلم حتى تظهر.

وروينا في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: أي المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم الناس من لسانه ويده».

وروينا في كتاب الترمذي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: ما النجاة؟

قال: «أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك». قال الترمذي حديث حسن. وروينا في كتاب الترمذي، وابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».

والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة، وفيما أشرت كفاية لمن وفقه الله تعالى.

وأمّا الآثار عن السلف وغيرهم في هذا الباب فكثيرة لا تحصر لكن ننبه على شيء منها.

فمما جاء من ذلك ما بلغنا أن قس بن ساعدة، وأكثم بن صيفي اجتمعا، فقال أحدهما لصاحبه: كم وجدت في ابن آدم من العيوب؟ فقال: هي أكثر من أن تحصر، وقد وجدت خصلة إن استعملها الإنسان سترت العيوب كلها. قال: وما هي؟ قال: حفظ اللسان.

وقال الإمام الشافعي ﵁ لصاحبه الربيع:

يا ربيع لا تتكلم فيما لا يعنيك، فإنك إذا تكلمت بالكلمة ملكتك ولم تملكها، وقال بعضهم: مثل اللسان مثل السبع، إن لم توثقه عدا عليك ولحقك شره.

ومما أنشدوه في هذا الباب:

إحفظ لسانك أيّها الإنسانلا يلدغنّك إنّه ثعبان
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «احفظ لسانك أيها الإنسان»
كم في المقابر من قتيل لسانهكانت تهاب لقاءه الشجعان
للشاعر ابن طاهر، من قصيدة «احذر لسانك أيها الإنسان»

وقال الفارسي:

لعمرك إن في ذنبي لشغلالنفسي عن ذنوب بني أميه
على ربي حسابهم إليهتناهى علم ذلك لا إليه

وقال علي ﵁: إذا تم العقل نقص الكلام.

وقال أعرابي: رب منطق صدع جمعا وسكوت شعب صدعا، وقال وهب بن الورد: بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء: تسعة منها في الصمت، والعاشر في عزلة الناس، وقال علي بن هشام رحمة الله تعالى عليه:

لعمرك إنّ الحلم زين لأهلهوما الحلم إلّا عادة وتحلّم
إذا لم يكن صمت الفتى عن ندامةوعيّ فإن الصمت أولى وأسلم

وقال ابن عيينة: من حرم الخير فليصمت، فإن حرمهما فالموت خير له، وعن رسول الله ﷺ أنه قال لأبي ذر ﵁: «عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان، وعون على أمر دينك».

ومن كلام الحكماء: من نطق في غير خير فقد لغا، ومن نظر في غير اعتبار فقد سها، ومن سكت في غير فكر فقد لها، وقيل: لو قرأت صحيفتك لأغمدت صفيحتك ولو رأيت ما في ميزانك لختمت على لسانك.

ولمّا خرج يونس عليك السلام من بطن الحوت طال صمته، فقيل له: ألا تتكلم؟ فقال: الكلام صيرني في بطن الحوت. وقال حكيم: إذا أعجبك الكلام فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.

وكان يقال: من السكوت ما هو أبلغ من الكلام لأن السفيه إذا سكت عنه كان في اغتنام.

وقيل لرجل: بم سادكم الأحنف، فو الله ما كان بأكبركم سنا، ولا بأكثركم مالا؟ فقال: بقوة سلطانه على لسانه.

وقيل: الكلمة أسيرة في وثاق الرجل، فإذا تكلم بها صار في وثاقها.

وقيل: اجتمع أربعة ملوك، فتكلموا، فقال ملك الفرس: ما ندمت على ما لم أقل مرة، وندمت على ما قلت مرارا، وقال قيصر: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت، وقال ملك الصين: ما لم أتكلم بكلمة ملكتها، فإذا تكلمت بها ملكتني، وقال ملك الهند:

العجيب ممن يتكلم بكلمة إن رفعت ضرت وإن لم ترفع لم تنفع. وكان بهرام جالسا ذات ليلة تحت شجرة، فسمع منها صوت طائر، فرماه، فأصابه، فقال: ما أحسن حفظ اللسان بالطائر والإنسان. لو حفظ هذا لسانه ما هلك.

وقال علي رضي الله تعالى عنه: بكثرة الصمت تكون الهيبة. وقال عمرو بن العاص ﵁: الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل. وقال لقمان لولده: يا بني إذا افتخر الناس بحسن كلامهم، فافتخر أنت بحسن صمتك، يقول اللسان كل صباح وكل مساء للجوارح كيف أنتن، فيقلن بخير إن تركتنا.

قال الشاعر:

احفظ لسانك لا تقول فتبتليإن البلاء موكّل بالمنطق

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث عشر في الصمت وصون اللسان والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة ومدح العزلة وذم الشهرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.