تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثاني في تحريم الغيبة

اعلم أن الغيبة من أقبح القبائح وأكثرها انتشارا في الناس حتى لا يسلم منها إلا القليل من الناس وهي ذكرك الإنسان بما يكره ولو بما فيه سواء كان في دينه أو بدنه أو نفسه أو خلقه أو خلقه أو ماله أو ولده أو والده أو زوجته أو خادمه أو عمامته أو ثوبه أو مشيته أو حركته أو بشاشته أو خلاعته أو غير ذلك مما يتعلق به سواء ذكرته بلفظك أو بكتابك أو رمزت إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك.

فأما الدّين فكقولك سارق، خائن، ظالم، متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارا بوالديه، قليل الأدب، لا يضع الزكاة مواضعها، ولا يجتنب الغيبة.

وأما البدن فكقولك: أعمى، أو أعرج، أو أعمش، أو قصيرا، أو طويلا، أو أسود، أو أصفر.

وأما غيرهما فكقولك: فلان قليل الأدب، متهاون بالناس لا يرى لأحد عليه حقا، كثير النوم، كثير الأكل وما أشبه ذلك، أو كقولك فلان أبوه نجار أو إسكاف أو حداد أو حائك، تريد تنقيصه بذلك أو فلان سيء الخلق متكبر، مراء، معجب، عجول، جبار، ونحو ذلك. أو فلان

واسع الكم، طويل الذيل، وسخ الثوب، ونحو ذلك.

وقد روينا في صحيح مسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره» قيل: وإن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته» قال الترمذي حديث حسن صحيح.

وروينا في سنن أبي داود والترمذي عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا. قال بعض الرواة تعني قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» أي خالطته مخالطة يتغير بها طعمه وريحه لكثرة نتنها.

وروينا في سنن أبي داود عن أنس ﵁ قال:

قال رسول الله ﷺ «لما عرج بي إلى السماء مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم».

وروي عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:

«إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا، ثم قال رسول الله ﷺ إن الرجل ليزني فيتوب، فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبها».

وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: من اغتاب المسلمين وأكل لحومهم بغير حق وسعى بهم إلى السلطان، جيء به يوم القيامة مزرقة عيناه ينادي بالويل والثبور ويعرف أهله ولا يعرفونه.

وقال معاوية بن قرة: أفضل النس عند الله أسلمهم صدرا وأقلهم غيبة، وقال الأحنف: فيّ خصلتان: لا أغتاب جليسي إذا غاب عني، ولا أدخل في أمر قوم لا يدخلوني فيه.

وقيل للربيع بن خيثم: ما نراك تعيب أحدا فقال: لست عن نفسي راضيا فأتفرغ لذم الناس وأنشد:

لنفسي أبكي لست أبكي لغيرهالنفسي من نفسي عن الناس شاغل

وقال كثيّر عزة:

وسعى إليّ بعيب عزّة نسوةجعل الإله خدودهنّ نعالها

وقال محمد بن حزم: أول من عمل الصابون سليمان وأول من عمل السويق ذو القرنين وأول من عمل الحيس يوسف، وأول من عمل خبز الجرادق نمروذ، وأول من كتب في القراطيس الحجاج، وأول من اغتاب إبليس لعنه الله اغتاب آدم ﵇.

وأوحى الله تعالى إلى موسى ﵊: أن المغتاب إذا تاب فهو آخر من يدخل الجنة، وإن أصر فهو أول من يدخل النار.

ويقال: لا تأمن من كذب لك أن يكذب عليك، ومن اغتاب عندك غيرك، أن يغتابك عند غيرك.

وقيل للحسن البصري رضي الله تعالى عنه: إن فلانا اغتابك، فأهدى إليه طبقا من رطب فأتاه الرجل وقال له:

اغتبتك فأهديت إلي، فقال الحسن: أهديت إلي حسناتك فأردت أن أكافئك.

وعن ابن المبارك رحمه الله تعالى قال: لو كنت مغتابا أحدا لاغتبت والدي لأنهما أحق بحسناتي، وإذا حاكى إنسان إنسانا بأن يمشي متعارجا أو متطأطئا أو غير ذلك من الهيئات، يريد تنقيصه بذلك فهو حرام، وبعض المتفقهين والمتعبدين يعرضون بالغيبة تعريضا تفهم به كما تفهم بالتصريح، فيقال لأحدهم كيف حال فلان فيقول الله يصلحنا، الله يغفر لنا، الله يصلحه، نسأل الله العافية، نحمد الله الذي لم يبتلنا بالدخول على الظلمة، نعوذ بالله من الكبر، يعافينا الله من قلة الحياء، الله يتوب علينا ...

وما أشبه ذلك مما يفهم تنقيصه فكل ذلك غيبة محرمة.

واعلم أنه كما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة كذلك يحرم على السامع استماعها، فيجب على من يستمع إنسانا يبتدىء بغيبة أن ينهاه إن لم يخف ضررا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قال بلسانه أسكت وقلبه يشتهي سماع ذلك، قال بعض العلماء، إن ذلك نفاق. قال الله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ

ومما أنشدوه في هذا المعنى:

وسمعك صن عن سماع القبيحكصون اللسان عن النطق به
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «تحر من الطرق أوساطها»
فإنك عند سماع القبيحشريك لقائله فانتبه
للشاعر عمار بن ياسر، اقرأ القصيدة
وكم أزعج الحرص من طالبفوافى المنيّة في مطلبه

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث عشر في الصمت وصون اللسان والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة ومدح العزلة وذم الشهرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.