تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الثالث في تحريم السعاية بالنميمة

قال الله تعالى: وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ

الآية. وحسبك بالنمام خسة ورذيلة، سقوطه وضعته والهماز المغتاب الذي يأكل لحوم الناس، الطاعن فيهم.

وقال الحسن البصري، هو الذي يغمز بأخيه في المجلس وهو الهمزة اللمزة. وقال علي والحسن البصري ﵄: العتل الفاحش السيىء الخلق، قال ابن عباس ﵄: العتل: الفاتك الشديد المنافق، وقال عبيد بن عمير: العتل: الأكول الشروب القوي الشديد، يوضع في الميزان فلا يزن شعيرة. وقال الكلبي:

هو الشديد في كفره. وقيل: العتل: الشديد الخصومة بالباطل، والزنيم هو الذي لا يعرف من أبوه. قال الشاعر:

زنيم ليس يعرف من أبوهبغيّ الأم ذو حسب لئيم

وروينا في صحيحي البخاري ومسلم عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة نمام».

وروي أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله».

قال الإمام أبو حامد الغزالي رحمة الله تعالى عليه:

«النميمة إنما تطلق في الغالب على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كقوله فلان يقول فيك كذا، فينبغي للإنسان أن يسكت عن كل ما رآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة لمسلم أو دفع معصية، وينبغي لمن حملت إليه النميمة وقيل له قال فيك فلان كذا أن لا يصدق من نم إليه لأن النمام فاسق، وهو مردود الخبر، وأن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبح فعله ويبغضه في الله تعالى، فإنه بغيض عند الله والبغض في الله واجب، وأن لا يظن بالمنقول عنه السوء، لقول الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ

الظَّنِّ إِثْمٌ

. وسعى رجل إلى بلال بن أبي بردة برجل وكان أمير البصرة، فقال له انصرف حتى أكشف عنك، فكشف عنه فإذا هو ابن بغي يعني ولد زنا. قال أبو موسى الأشعري ﵁: «لا ينم على الناس إلا ولد بغي».

وروي أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بشراركم، قالوا:

بلى يا رسول الله، قال: شراركم المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة والباغون العيوب».

وروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال:

«ملعون ذو الوجهين ملعون ذو اللسانين ملعون كل شغاز، ملعون كل قتات، ملعون كل نمام، ملعون كل منان».

والشغاز المحرش بين الناس يلقي بينهم العداوة، والقتات: النمام، والمنان: الذي يعمل الخير ويمن به.

وأما السعاية إلى السلطان وإلى كل ذي قدرة فهي المهلكة والحالقة التي تجمع الخصال الذميمة، من الغيبة وشؤم النميمة والتغرير بالنفوس والأموال في النوازل والأحوال، وتسلب العزيز عزه وتحط المسكين عن مكانته والسيد عن مرتبته، فكم دم أراقه سعي ساع، وكم حريم استبيح بنميمة نمام، وكم من صفيين تباعدا وكم من متواصلين تقاطعا، وكم من محبين افترقا، وكم من إلفين تهاجرا وكم من زوجين تطالقا. ليتق الله ربه ﷿، رجل ساعدته الأيام وتراخت عنه الأقدار أن يصغي لساع أو يستمع لنمام.

ووجد في حكم القدماء أبغض الناس إلى الله المثلث.

قال الأصمعي: «هو الرجل يسعى بأخيه إلى الأمام فيهلك نفسه وأخاه وإمامه».

وقال بعض الحكماء: «احذروا أعداء العقول ولصوص المودات وهم السعاة والنمامون، إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا هم المودات.

وفي المثل السائر «من أطاع الواشي ضيّع الصديق»، وقد تقطع الشجرة فتنبت، ويقطع اللحم السيف فيندمل، واللسان لا يندمل جرحه. ودفع إنسان رقعة إلى الصاحب بن عباد يحثه فيها على أخذ مال يتيم وكان مالا كثيرا، فكتب إليه على ظهرها: النميمة قبيحة وإن كانت صحيحة، والميت ﵀ واليتيم جبره الله والساعي لعنه الله ولا حول ولا قوة إلا بالله».

وروينا في كتاب أبي داود والترمذي عن ابن مسعود

رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». ومن الناس من يتلون ألوانا ويكون بوجهين ولسانين، فيأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، وذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها.

قال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى:

قل للذي لست أدري من تلوّنهأناصح أم على غش يناجيني
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
إني لأكثر مما سمتني عجبايدّ تشحّ وأخرى منك تأسوني
للشاعر صالح بن عبد القدوس، من قصيدة «قُل لِلَّذي لَست أَدري مِن تَلونه»
تغتابني عند أقوام وتمدحنيفي آخرين وكلّ عنك يأتيني
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
هذان شيئان قد نافيت بينهمافاكفف لسانك عن شتمي وتزييني

وقيل: «لإلف لحوح جموح خير من واحد متلون».

وكان يشبه المتلون بأبي براقش، وأبي قلمون، فأبو براقش طائر منقط بألوان النقوش يتلون في اليوم ألوانا وأبو قلمون ضرب من ثياب الحرير ينسج بالروم يتلون ألوانا. ويقال للطائش الذي لا ثبات معه أبو رياح، تشبيها بمثال فارس من نحاس بمدينة حمص على عمود حديد فوق قبة بباب الجامع يدور مع الريح ويمناه ممدودة وأصابعها مضمومة إلا السبابة، فإذا أشكل عليهم مهب الريح عرفوه به، فإنه يدور بأضعف نسيم يصيبه، والذي يعمله الصبيان من قرطاس على قصبة، يسمى أبا رياح، أيضا، ويقال:

أخلاق الملوك مثل في المتلون.

قال بعضهم:

ويوم كأخلاق الملوك تلونافصحو وتغييم وطلّ ووابل
أشبهه إياك من صفاتهدنوّ وإعراض ومنع ونائل

وكلم معاوية الأحنف في شيء بلغه عنه، فأنكره الأحنف، فقال له معاوية: بلّغني عنك الثقة، فقال له الأحنف: إن الثقة لا يبلغ مكروها.

وكان الفضل بن سهل يبغض السعاية، وإذا أتاه ساع يقول له: «إن صدقتنا أبغضناك، وإن كذبتنا عاقبناك، وإن استقلتنا أقلناك».

وكتب في جواب كتاب ساع: «نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة، وليس من دل على شيء وأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي فإنه لو كان في سعايته صادقا لكان في صدقه لئيما إذ لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة.

وقيل: من سعى بالنميمة حذره الغريب ومقته القريب.

وقال المأمون: النميمة لا تقرب مودة إلا أفسدتها، ولا عداوة إلا جددتها، ولا جماعة إلا بددتها، ثم لا بد لمن عرف بها ونسب إليها، أن يجتنب ويخاف من معرفته ولا يوثق بمكانه.

وأنشد بعضهم:

من نمّ في الناس لم تؤمن عقاربهعلى الصديق ولم تؤمن أفاعيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
كالسّيل بالليل لا يدري به أحدمن أين جاء ولا من أين يأتيه
للشاعر منصور الكريزي، اقرأ القصيدة
الويل للعهد منه كيف ينقضهوالويل للودّ منه كيف يفنيه

وقال آخر:

يسعى عليك كما يسعى إليك فلاتأمن غوائل ذي وجهين كيّاد

وقال صالح بن عبد القدوس رحمه الله تعالى:

من يخبّرك بشتم عن أخفهو الشاتم لا من شتمك
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة
ذاك شيء لم يواجهك بهإنما اللوم على من أعلمك
للشاعر صالح بن عبد القدوس، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إن يعلموا الخير أخفوه وإن علمواشرا أذاعوا وإن لم يعلموا كذبوا

وقال آخر:

إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحامنّي وما سمعوا من صالح دفنوا
صم إذا سمعوا خيرا ذكرت بهوإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا

وقال الحسن: ستر ما عاينت أحسن من إشاعة ما ظننت. وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه:

من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها.

ومما جاء في النهي عن اللعن ما روينا في صحيح البخاري ومسلم عن ثابت بن الضحاك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن المؤمن كقتله».

وروينا في صحيح مسلم أيضا عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة».

وروينا في سنن أبي داود، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يمينا وشمالا فإذا لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن إن كان أهلا لذلك، وإلا رجعت إلى قائلها». ويجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمومة على العموم كقوله: لعن الله الظالمين، لعن الله الكافرين، لعن الله اليهود، والنصارى، لعن الله الفاسقين، لعن الله المصورين ونحو ذلك.

وثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ قال:

لعن الله الواصلة والمستوصلة، وأنه قال: لعن الله آكل الربا، وأنه قال: لعن الله المصوّرين، وأنه قال: لعن الله من لعن والديه، وأنه قال: لعن الله من ذبح لغير الله، وأنه قال: لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وأنه قال: لعن الله المتشبهين من الرجال والنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال، وجميع هذه الألفاظ في البخاري ومسلم، بعضها فيهما، وبعضها في أحدهما، والله أعلم.

ومما جاء في العزلة ومدح الخمول وذم الشهرة قال رسول الله ﷺ: «الخمول نعمة، وكل يتبرأ والظهور نقمة وكل يتمنى».

وقال بعضهم:

تلحّف بالخمول تعش سليماوجالس كل ذي أدب كريم

وقال جعفر بن الفراء:

من أخمل النفس أحياها وروّحهاولم يبت طاويا منها على ضجر
إن الرياح إذا اشتدت عواصفهافليس ترمي سوى العالي من الشجر

وقال أعرابي: رب وحدة أنفع من جليس ووحشة أنفع من أنيس. وكان أبو معاوية الضرير يقول: فيّ خصلتان، ما يسرني بهما رد بصري: قلة الإعجاب بنفسي، وخلو قلبي من اجتماع الناس إليّ. وقال عمر ﵁: خذوا حظكم من العزلة. وصعد حسان على أطم من آطام المدينة ونادى بأعلى صوته يا صباحاه، فاجتمعت الخزرج، فقالوا ما عندك؟ قال:

قلت: بيت شعر، فأحببت أن تسمعوه قالوا: هات يا حسان. فقال:

وإنّ امرءا أمسى وأصبح سالمامن الناس إلا ما جنى لسعيد

ولما بنى سعد بن أبي وقاص ﵁ منزله بالعقيق قيل له: تركت منازل إخوانك وأسواق الناس ونزلت بالعقيق، فقال: رأيت أسواقهم لاغية ومجالسهم لاهية، فوجدت الاعتزال فيما هنالك عافية.

وقيل لعروة أخي مرداس: ألا تحدثنا ببعض ما عندك من العلم، فقال: أكره أن يميل قلبي باجتماعكم إلى حب الرياسة، فأخسر الدارين.

وقال سفيان بن عيينة: دخلنا على الفضل في مرضه نعوده، فقال: ما جاء بكم، والله لو لم تجيئوا لكان أحب إليّ، ثم قال: نعم الشيء المرض لولا العبادة.

وقيل للفضل: إن ابنك يقول: وددت لو أني بالمكان الذي أرى الناس فيه، ولا يروني، فقال: ويح ابني لم لا أتمها، فقال: لا أراهم ولا يروني.

وقال علي رضي الله تعالى عنه: طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وطوبى لمن لزم بيته، وأكل قوته، واشتغل بطاعته، وبكى على خطيئته، فكان من نفسه في

شغل، والناس منه في راحة.

وقال سفيان: الزهد في الدنيا هو الزهد في الناس.

وقيل لراهب في صومعته: ألا تنزل، فقال: من مشى على وجه الأرض عثر. والكلام في مثل هذا كثير، وقد اكتفينا بهذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه

روي عن الحسن أنه قال للحجاج: سمعت ابن عباس ﵄ يقول قال رسول الله ﷺ: «وقّروا السلاطين وبجّلوهم، فإنهم عز الله وظله في الأرض إذا كانوا عدولا»، فقال الحجاج: ألم نكن فيهم إذا كانوا عدولا؟ قال: قلت: بلى.

وعن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قلت للنبي ﷺ:

أخبرني عن هذا السلطان الذي ذلّت له الرقاب وخضعت له الأجساد ما هو؟ قال: ظل الله في الأرض، فإذا أحسن فله الأجر وعليكم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر وعليكم الصبر.

وعنه ﵊: أيما راع استرعى رعيته، ولم يحطها بالأمانة والنصيحة من ورائها إلا ضاقت عليه رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء.

وقال مالك بن دينار رضي الله تعالى عنه: وجدت في بعض الكتب: يقول الله تعالى: أنا ملك الملوك، رقاب الملوك بيدي، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، لا تشغلوا ألسنتكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلى الله يعطفهم عليكم.

وقال جعفر بن محمد رحمة الله تعالى عليه: كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان. وقال كسرى لسيرين: ما أحسن هذا الملك لو دام، فقال: لو دام لأحد ما انتقل إلينا. ومر طارق السرطي بابن شبرمة في موكبه فقال:

أراها وإن كانت تحبّ فإنّهاسحابة صيف عن قليل تقشّع
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

وجلس الإسكندر يوما فما رفع إليه حاجة فقال: لا أعد هذا اليوم من أيام ملكي. وقال الجاحظ: ليس شيء ألذ ولا أسر من عز الأمر والنهي، ومن الظفر بالأعداء، ومن تقليد المن أعناق الرجال لأن هذه الأمور تصيب الروح، وحظ الذهن وقسمة النفس.

وقيل: الملك خليفة الله في عباده، ولن يستقيم أمر خلافته مع مخالفته. وقال الحجاج: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافها. وقال أردشير لابنه: يا بني:

الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الآخر، فالدين أس والملك حارس، وما لم يكن له أس فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع. قيل: لما دنت وفاة هرمز وامرأته حامل، عقد التاج على بطنها وأمر الوزراء بتدبير المملكة حتى يولد له ولد، فتملك، وأغار العرب على نواحي فارس في صباه، فلما أدرك ركب، وانتخب من أهل النجدة فرسانا وأغار على العرب، فانتهكهم بالقتل، ثم خلع أكتاف سبعين ألفا، فقيل له: ذو الأكتاف، وأمر العرب حينئذ بإرخاء الشعور ولبس المصبغات، وأن يسكنوا بيوت الشعر، وأن لا يركبوا الخيل إلا عراة.

وقيل: من أخلاق الملوك حب التفرد.

كان أردشير إذا وضع التاج على رأسه لم يضع أحد على رأسه قضيب ريحان، وإذا لبس حلة لم ير أحد مثلها، وإذا تختم بخاتم كان حراما على أهل المملكة أن يتختموا بمثله.

وكان سعيد بن العاص بمكة إذا اعتمّ لم يعتم أحد بمثل عمامته ما دامت على رأسه. وكان الحجاج إذا وضع على رأسه عمامة لم يجترىء أحد من خلق الله أن يدخل عليه بمثلها. وكان عبد الملك إذا لبس الخف الأصفر لم يلبس

أحد مثله حتى ينزعه. وأخبرني من سافر إلى اليمن أنه لا يأكل الأوز بها أحد غير الملك.

وقيل: من حق الملك أن يفحص عن أسرار الرعية فحص المرضعة عن ابنها، وكان أردشير متى شاء قال لأرفع أهل مملكته وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، حتى كان يقال يأتيه ملك من السماء، وما ذاك إلا بتفحصه وتيقظه.

وكان علم عمر ﵁ بمن نأى عنه كعلمه بمن بات معه على وساد واحد. ولقد اقتفى معاوية أثره.

وتعرّف إلى زياد رجل، فقال: أتتعرف إليّ وأنا أعرف بك من أبيك وأمك، وأعرف هذا البرد الذي عليك؟ ففزع الرجل حتى ارتعد من كلامه.

وعن بعض العباسيين قال: كلمت المأمون رحمة الله تعالى في امرأة خطبتها، وسألته النظر إليها، فقال: يا أبا فلان من قصتها وحليتها وفعلها وشأنها كيت وكيت، فو الله ما زال يصفها ويصف أحوالها حتى أبهتني.

ومما جاء في طاعة ولاة أمور الإسلام:

أمر الله تعالى بذلك في كتابه العزيز على لسان نبيه الكريم فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

وروينا في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: بايعت رسول الله ﷺ على شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة والسمع والطاعة، والنصح لكل مسلم.

وسئل كعب الأحبار عن السلطان، فقال: ظل الله في أرضه، من ناصحه اهتدى، ومن غشّه ضل. وعن حذيفة بن اليمان ﵁، لا تسبوا السلطان فإنه ظل الله في الأرض، به يقوم الحق ويظهر الدين، وبه يدفع الله الظلم ويهلك الفاسقين.

وقال عمر بن عبد العزيز لمؤدبه، كيف كانت طاعتي لك؟ قال: أحسن طاعة. قال: فأطعني كما كنت أطيعك، خذ من شاربك حتى تبدو شفتاك، ومن ثوبك حتى تبدو عقباك.

وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني.

وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ أمر بالسمع والطاعة لولي الأمر ومناصحته ومحبته والدعاء له.

ولو تتبعت ذلك لطال الكلام، لكن اعلم أرشدني الله وإياك إلى الاتباع، وجنبنا الزيغ والابتداع، أن من قواعد الشريعة المطهرة والملة الحنيفية المحرزة أن طاعة الأئمة فرض على كل الرعية، وأن طاعة السلطان تؤلف شمل الدين وتنظم أمور المسلمين، وأن عصيان السلطان يهدم أركان الملة، وأن أرفع منازل السعادة طاعة السلطان، وأن طاعته عصمة من كل فتنة، وبطاعة السلطان تقام الحدود وتؤدى الفروض، وتحقن الدماء، وتؤمن السبل، وما أحسن ما قالت العلماء: إن طاعة السلطان هدى لمن استضاء بنورها وإن الخارج عن طاعة السلطان منقطع العصمة بريء من الذمة، وإن طاعة السلطان حبل الله المتين ودينه القويم، وإن الخروج منها خروج من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ومن غش السلطان ضلّ وزلّ، ومن أخلص له المحبة والنصح حل من الدين والدنيا في أرفع محل، وإن طاعة السلطان واجبة أمر الله تعالى بها في كتابه العظيم المنزل على نبيه الكريم. وقد اقتصر في ذلك على ما أوردناه واكتفينا بما بيناه، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وأن يصلح شأننا إنه قريب مجيب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.

الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته

أما صحبة السلطان: فقد قال ابن عباس ﵄، قال لي أبي: يا بني إني أرى أمير المؤمنين يستخليك ويستشيرك ويقدمك على الأكابر من أصحاب

محمد ﷺ، وإني أوصيك بخلال ثلاث: لا تفشين له سرا، ولا تجرين عليه كذبا، ولا تغتابن عنده أحدا، قال الشعبي رحمه الله تعالى: قلت لابن عباس كل واحدة منهن خير من ألف، فقال: أي والله، ومن عشرة آلاف.

وقال بعض الحكماء: إذا زادك السلطان تأنيسا فزده إجلالا، وإذا جعلك أخا، فاجعله أبا، وإذا زادك إحسانا، فزده فعل العبد مع سيده، وإذا ابتليت بالدخول على السلطان مع الناس، فأخذوا في الثناء عليه، فعليك بالدعاء له ولا تكثر في الدعاء له عند كل كلمة، فإن ذلك تنبيه بالوحشة والغربة.

وقال مسلم بن عمر لمن خدم السلطان: لا تغتر بالسلطان إذا أدناك ولا تتغير منه إذا أقصاك.

وروي أن بعض الملوك استصحب حكيما، فقال له:

أصحبك على ثلاث خصال، قال: وما هن؟ قال:

لا تهتك لي سترا، ولا تشتم لي عرضا، ولا تقبل فيّ قول قائل حتى تستشيرني، قال: هذا لك. فماذا لي عليك؟

قال: لا أفشي لك سرا، ولا أدخر عنك نصيحة، ولا أوثر عليك أحدا، قال: نعم الصاحب للمستصحب أنت.

وقال بزرجمهر: إذا خدمت ملكا من الملوك، فلا تطعه في معصية خالقك، فإن إحسانه إليك فوق إحسان الملك، وإيقاعه بك أغلظ من إيقاعه.

وقالوا: إصحب الملوك بالهيبة لهم والوقار لأنهم إنما احتجبوا عن الناس لقيام الهيبة وإن طال أنسك بهم تزدد غما.

وقالوا: علّم السلطان وكأنك تتعلم منه، وأشر عليه وكأنك تستشيره، وإذا أحلّك السلطان من نفسه بحيث يسمع منك، ويثق بك، فإياك والدخول بينه وبين بطانته، فإنك لا تدري متى يتغير منك، فيكونون عونا عليك، وإياك أن تعادي من إذا شاء أن يطرح ثيابه، ويدخل مع الملك في ثيابه فعل.

وفي الأمثال القديمة: احذروا زمارة المخدة وفيه قيل:

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرامثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وقال:»

وقال يحيى بن خالد: إذا صحبت السلطان فداره مداراة المرأة العاقلة لصحبة الزوج الأحمق.

وأما ما جاء في التحذير من صحبة السلطان:

فقد اتفقت حكماء العرب والعجم على النهي عن صحبة السلطان، قال في كتاب كليلة ودمنة: ثلاثة لا يسلم عليها إلا القليل: صحبة السلطان وإئتمان النساء على الأسرار، وشرب السم على التجربة.

وكان يقال: قد خاطر بنفسه من ركب البحر، وأعظم منه خطرا من صحب السلطان.

وكان بعض الحكماء يقول: أحق الأمور بالتثبت فيها أمور السلطان، فإن من صحب السلطان بغير عقل، فقد لبس الشعار الغرور. وفي حكم الهند: صحبة السلطان على ما فيها من العز والثروة عظيمة الخطر.

وقيل للعتابي: لم لا تصحب السلطان على ما فيك من الأدب، قال: لأني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء، ويرمي من السور في غير شيء، ولا أدري أي الرجلين أكون.

وقال معاوية لرجل من قريش: إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبي، ويبطش بطش الأسد. وقال ميمون بن مهران: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا ميمون احفظ عني أربعا: لا تصحبن السلطان، وإن أمرته بالمعروف ونهيته عن المنكر، ولا تخلون بامرأة، وإن أقرأتها القرآن، ولا تصل من قطع رحمه، فإنه لك أقطع، ولا تتكلم بكلام اليوم تعتذر منه غدا.

وكم رأينا، وبلغنا ممن صحب السلطان من أهل الفضل والعقل والعلم والدين ليصلحه ففسد هو به، فكان كما قيل:

عدوى البليد إلى الجليد سريعةوالجمر يوضع في الرماد فيخمد
للشاعر أبو بكر الخوارزمي، من قصيدة «لا تصحب الكسلان في حاجاته»

ومثل من صحب السلطان ليصلحه، مثل من ذهب ليقيم حائطا مائلا، فاعتمد عليه ليقيمه، فخر الحائط عليه فأهلكه.

قال الشاعر:

ومعاشر السلطان شبه سفينةفي البحر ترجف دائما من خوفه
إن أدخلت من مائه في جوفهايغتالها مع مائها في جوفه
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «جانب معاشرة الملوك لزينة»

وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يسعد من ابتلي بصحبة الملوك، فإنهم لا عهد لهم ولا وفاء ولا قريب ولا حميم، ولا يرغبون فيك إلا أن يطعموا فيما عندك، فيقربوك عند ذلك، فإذا قضوا حاجتهم منك تركوك ورفضوك، ولا ود للسلطان ولا إخاء، والذنب عنده لا يغفر.

وقالت الحكماء: صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أخوف. وقال محمد بن واسع، والله لسف التراب ولقضم العظم خير من الدنو من أبواب السلاطين. وقال محمد بن السمّاك: الذباب على العذرة خير من العابر على أبواب الملوك. وقيل: من صحب السلطان قبل أن يتأدب، فقد غرر بنفسه. وقال ابن المعتز:

من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، وعنه: إذا زادك السلطان تأنيسا وإكراما فزده تهيبا واحتشاما.

وقال أبو علي الصغاني: إياك والملوك، فإن من والاهم أخذوا ماله ومن عاداهم أخذوا رأسه. وقيل: مكتوب على باب قرية من قرى بلخ اسمها بهار، أبواب الملوك تحتاج إلى ثلاثة: عقل، وصبر، ومال، وتحته مكتوب: كذب عدو الله من كان له واحد منها لم يقرب باب السلطان.

وقال حسان بن ربيع الحميري: لا تثقن بالملك فإنه ملول، ولا بالمرأة فإنها خؤون ولا بالدابة فإنها شرود.

وقال عبيد بن عمير: ما ازداد رجل من السلطان قربا إلا ازداد من الله بعدا، ولا كثرت أتباعه إلا كثرت شياطينه، ولا كثر ماله إلا كثر حسابه.

وقال ابن المبارك ﵀:

أرى الملوك بأدنى الدّين قد قنعواولا أراهم رضوا في العيش بالدّون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما استغنى الملوك بدنياهم عن الدّين
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا من ترفع للدنيا وزينتها»

وقال بعضهم في ولاة بني مروان:

إذا ما قطعتم ليلكم بمدامكموأفنيتمو أيامكم بمنام
فمن ذا الذي يغشاكم في ملمّةومن ذا الذي يغشاكم بسلام
رضيتم من الدنيا بأيسر بلغةبلثم غلام أو بشرب مدام
ولم تعلموا أنّ اللسان موكّلبمدح كرام أو بذمّ لئام

نهت الحكماء عن خدمة الملوك فقالوا: إن الملوك يستعظمون في الثواب رد الجواب، ويستقلون في العقاب ضرب الرقاب، وقيل: شر الملوك من أمنه الجريء وخافه البريء. والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك

قال الله تعالى حاكيا عن موسى ﵇: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي

. فلو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كليم الله موسى بن عمران ﵇. ثم ذكر حكمة الوزارة، فقال: اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي

دلت هذه الآية على أن الوزارة تشد قواعد المملكة، وأن يفوض إليه السلطان إذا استكملت فيه الخصال المحمودة، ثم قال: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً

. دلت هذه الآية على أن بصحبة العلماء والصالحين أهل الخبرة والمعرفة، تنتظم أمور الدنيا والآخرة، وكما يحتاج أشجع الناس إلى السلاح، وأفره الخيل إلى السوط، وأحدّ الشفار إلى المسن، كذلك يحتاج أجل الملوك وأعظمهم وأعلمهم إلى الوزير.

وروى أبو سعيد الخدري ﵁ قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضّه عليه، والمعصوم من عصمه الله.

وقال وهب بن منبه، قال موسى لفرعون: آمن ولك الجنة ولك ملكك. قال: حتى أشاور هامان، فشاوره في ذلك، فقال له هامان: بينما أنت إله تعبد إذ صرت تعبد.

فأنف واستكبر، وكان من أمره ما كان.

وعلى هذا النمط كان وزير الحجاج يزيد بن مسلم لا يألوه خبالا. ولبئس القرناء شر قرين لشر خدين، وأشرف منازل الآدميين النبوة ثم الخلافة ثم الوزارة، وفي الأمثال: نعم الظهير الوزير. وأول ما يظهر نبل السلطان وقوة تمييزه وجودة عقله في انتخاب الوزراء واستنقاء الجلساء ومحادثة العقلاء، فهذه ثلاث خلال تدل على كماله، وبهذه الخلال يجمل في الخلق ذكره، وترسخ في النفوس عظمته، والمرء موسوم بقرينه، وكان يقال حلية الملوك وزينتهم وزراؤهم.

وفي كتاب كليلة ودمنة: لا يصلح السلطان إلا بالوزراء والأعوان. وقال شريح بن عبيد: لم يكن في بني إسرائيل ملك إلا معه رجل حكيم إذا رآه غضبان كتب إليه صحائف، وفي كل صحيفة: إرحم المسكين واخش الموت، واذكر الآخرة، فكلما غضب الملك ناوله الحكيم صحيفة حتى يسكن غضبه، ومثل الملك الخير والوزير السوء الذي يمنع الناس خيره ولا يمكنهم من الدنو منه، كالماء الصافي فيه التمساح، فلا يستطيع المرء دخوله، وإن كان سابحا وإلى الماء محتاجا، ومثل السلطان كمثل الطبيب، ومثل الرعية كمثل المرضى، ومثل الوزير كمثل السفير بين المرضى والأطباء، فإذا كذب السفير بطل التدبير. وكما أن السفير إذا أراد أن يقتل أحدا من المرضى وصف للطبيب نقيض دائه، فإذا سقاه الطبيب على صفة السفير هلك العليل، كذلك الوزير ينقل إلى الملك ما ليس في الرجل، فيقتله الملك، فمن ههنا شرط في الوزير أن يكون صدوقا في لسانه، عدلا في دينه، مأمونا في أخلاقه، بصيرا بأمور الرعية، وتكون بطانة الوزير أيضا من أهل الأمانة والبصيرة، وليحذر الملك أن يولّي الوزارة لئيما، فاللئيم إذا ارتفع جفا أقاربه وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف وتكبر على ذوي الفضل.

ودخل بعض الوزراء على بعض الخلفاء وكان الوزير من أهل العقل والأدب، فوجد عنده رجلا ذميا كان الخليفة يميل إليه ويقربه، فقال الوزير منشدا:

يا ملكا طاعته لازمهوحبّه مفترض واجب
إن الذي شرّفت من أجلهيزعم هذا أنّه كاذب

وأشار إلى الذمي، فاسأله يا أمير المؤمنين عن ذلك، فسأله، فلم يجد بدا من أن يقول هو صادق، فاعترف بالإسلام.

وكان بعض الملوك قد كتب ثلاث رقاع، وقال لوزيره إذا رأيتني غضبان، فادفع إليّ رقعة بعد رقعة، وكان في الأولى إنك لست بإله، وإنك ستموت، وتعود إلى التراب، فيأكل بعضك بعضا، وفي الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء، وفي الثالثة: اقض بين الناس بحكم الله، فإنهم لا يصلحهم إلا ذلك.

ولمّا كانت أمور المملكة عائدة إلى الوزراء، وأزمّة الملوك في أكف الوزراء سبق فيهم من العقلاء المثل السائر، فقالوا: لا تغتر بمودة الأمير إذا غشك الوزير، وإذا أحبك الوزير، فنم لا تخش الأمير، ومثل السلطان كالدار والوزير بابها، فمن أتى الدار من بابها ولج ومن أتاها من غير بابها انزعج. وموقع الوزارة من المملكة كموقع المرآة من البصر، فكما أن من لم ينظر في المرآة لا يرى محاسن وجهه وعيوبه، كذلك السلطان إذا لم يكن له وزير لا يعلم محاسن دولته وعيوبها. ومن شروط الوزير أن يكون كثير الرحمة للخلق رؤوفا بهم ...

واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم عن السلطان نصيحة، وإن استقلّها، وموضع الوزير من المملكة كموضع العينين من الرأس، وكما أن المرآة لا تريك وجهك إلا بصفاء جوهرها وجودة صقلها ونقائها من الصدأ، كذلك السلطان لا يكمل أمره إلا بجودة عقل الوزير، وصحة فهمه، ونقاء قلبه. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر

أما الحجّاب:

فقد قيل: لا شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعية من شدة الحجّاب. وقيل: إذا سهل الحجّاب أحجمت الرعية عن الظلم، وإذ عظم الحجّاب هجمت على الظلم.

وقال ميمون بن مهران، كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لحاجبه: من بالباب؟ فقال: رجل أناخ ناقته الآن، يزعم أنه ابن بلال مؤذن رسول الله ﷺ، فأذن له أن يدخل، فلما دخل قال: حدثني أبي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم حجبهم عنه حجبه الله عنه يوم القيامة، فقال عمر لحاجبه:

إلزم بيتك، فما رؤي على بابه بعد ذلك حاجب.

وكان خالد بن عبد الله القشيري يقول لحاجبه: إذا أخذت مجلسي فلا تحجبن عني أحدا. فإن الوالي لا يحتجب إلا لثلاث: عيب يكره أن يطلع عليه أحد، أو ريبة يخاف منها أن تظهر، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئا.

وكانت العجم تقول: لا شيء أضيع للمملكة من شدة حجّاب الملك، ولا شيء أهيب للرعية وأكف لهم عن الظلم من سهولته. وقيل لبعض الحكماء: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قال: حاجة الكريم إلى اللئيم، ثم يرده بغير قضائها. قيل: فما الذي هو أشد منه؟ قال: وقوف الشريف بباب الدنيء ثم لا يؤذن له.

ووقف عبد الله بن العباس العلوي على باب المأمون يوما، فنظر إليه الحاجب ثم أطرق، فقال عبد الله لقوم معه: إنه لو أذن لنا لدخلنا، ولو صرفنا لانصرفنا، ولو اعتذر إلينا لقبلنا، وأما النظرة بعد النظرة والتوقف بعد التعرف فلا أفهم معناه، ثم تمثل بهذا البيت.

وما عن رضى كان الحمار مطيتيولكنّ من يمشي سيرضى بما ركب

ثم انصرف، فبلغ ذلك المأمون، فضرب الحاجب ضربا شديدا، وأمر لعبد الله بصلة جزيلة وعشر دواب.

قال الشاعر:

رأيت أناسا يسرعون تبادراإذا فتح البواب بابك أصبعا
ونحن جلوس ساكتون رزانةوحلما إلى أن يفتح الباب أجمعا

ووقف رجل خراساني بباب أبي دلف العجلي حينا فلم يؤذن له فكتب رقعة وتلطف في وصولها إليه وفيها:

إذا كان الكريم له حجابفما فضل الكريم على اللئيم

فأجابه أبو دلف بقوله:

إذا كان الكريم قليل مالولم يعذر تعلّل بالحجاب
وأبواب الملوك محجّباتفلا تستنكرنّ حجاب بابي

ومن محاسن النظم في ذم الاحتجاب قول بعضهم:

سأهجركم حتى يلين حجابكمعلى أنه لا بدّ سوف يلين
خذوا حذركم من صفوة الدهر إنهاوإن لم تكن خانت فسوف تخون

وقال آخر:

ماذا على بوّاب داركم الذيلم يعطنا إذنا ولا يستأذن
لو ردّنا ردا جميلا عنكمأو كان يدفع بالتي هي أحسن

وقال آخر:

أمرت بالتّسهيل في الإذن ليولم ير الحاجب أن يأذنا
فلن تراني بعدها عائداولن تراه بعد مستأذنا

وقال آخر:

ولقد رأيت بباب دارك جفوةفيها لحسن صنيعك التكدير
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة
ما بال دارك حين تدخل جنّةوبباب دارك منكر ونكير
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

إذا جئت ألقى عند بابك حاجبامحيّاه من فرط الجهالة حالك
ومن عجب مغناك جنّة قاصدوحاجبها من دون رضوان مالك

وقال آخر:

سأترك بابا أنت تملك إذنهولو كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتهاوحوّلت رجلي مسرعا نحو مالك

وقال آخر:

ماذا يفيدك أن تكون محجّباوالعبد بالباب الكريم يلوذ
ما أنت إلّا في الحصار معي فلاتتعب فكلّ محاصر مأخوذ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «قالت إشارة فاتك لمروع»

وقال أبو تمام:

سأترك هذا الباب ما دام إذنهعلى ما أرى حتى يلين قليلا
فما خاب من لم يأته متعمّداولا فاز من قد نال منه وصولا
إذا لم نجد للإذن عندك موضعاوجدنا إلى ترك المجيء سبيلا

واستأذن رجل على أمير، فقال للحاجب: قل له إن الكرى قد خطب إلي نفسي وإنما هي هجعة وأهب، فخرج الحاجب، فقال له الرجل: ما الذي قال لك؟ قال:

قال كلاما لا أفهمه وهو يريد أن لا يأذن لك.

وقال علي بن أبي طالب ﵁: إنما أمهل فرعون مع دعواه الألوهية لسهولة إذنه وبذل طعامه.

وقال عمرو بن مرة الجهني لمعاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من أمير يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسألة إلا أغلق الله أبواب السموات دون حاجته وخلته ومسألته، وجاء النامي الشاعر لبعض الأمراء فحجبه، فقال:

سأصبر إن جفوت فكم صبرنالمثلك من أمير أو وزير
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
رجوناهم فلما أخلفوناتمادت فيهم غير الدهور
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
فبتنا بالسلامة وهي غنموباتوا في المحابس والقبور
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة
ولمّا لم ننل منهم سرورارأينا فيهم كلّ السرور
للشاعر النامي، اقرأ القصيدة

وأنشدوا في ذلك أيضا:

قل للذين تحجبوا عن راغببمنازل من دونها الحجّاب
إن حال عن لقياكم بوابكمفالله ليس لبابه بواب

واستأذن سعد بن مالك على معاوية، فحجبه، فهتف بالبكاء، فأتى الناس وفيهم كعب فقال: وما يبكيك يا سعد؟ فقال: وما لي لا أبكي وقد ذهب الأعلام من أصحاب رسول الله ﷺ ومعاوية يلعب بهذه الأمة؟ فقال كعب: لا تبك، فإن في الجنة قصرا من ذهب يقال له عدن أهله الصدّيقون والشهداء، وأنا أرجو أن تكون من أهله.

واستأذن بعضهم على خليفة كريم وحاجبه لئيم، فحجبه فقال:

في كلّ يوم لي ببابك وقفةأطوي إليه سائر الأبواب
للشاعر أبو علي البصير، اقرأ القصيدة
وإذا حضرت رغبت عنك فإنهذنب عقوبته على البوّاب

وأما ذكر الولايات وما فيها من الخطر العظيم:

فقد قال الله تعالى لداود ﵇: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ

جاء في التفسير: إن من اتباع الهوى أن يحضر الخصمان بين يديك فتود أن يكون الحق للذي في قلبك محبة خاصة، وبهذا سلب سليمان بن داود ملكه. قال ابن عباس ﵄: كان الذي أصاب سليمان بن داود ﵉ أن ناسا من أهل جرادة امرأته، وكانت من أكرم نسائه عليه، تحاكموا إليه مع غيرهم، فأحب أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم، فعوقب بسبب ذلك حيث لم يكن هواه فيهم واحدا.

وروي عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال:

قال لي رسول الله ﷺ: يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليه. وقال معقل بن يسار ﵁، سمعت النبي ﷺ يقول: ما من عبد يسترعيه الله رعية، فلم يحطها بنصيحته إلا لم يجد رائحة الجنة.

وفي الحديث: «من ولي من أمور المسلمين شيئا ثم لم يحطهم بنصيحته كما يحوط أهل بيته، فليتبوأ مقعده من النار.

وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث إلى عاصم يستعمله على الصدقة، فأبى، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا كان يوم القيامة يؤتى بالوالي فيقف على جسر جهنم، فيأمر الله تعالى الجسر فينتفض انتفاضة فيزول كل عضو منه عن مكانه، ثم يأمر الله تعالى بالعظام، فترجع إلى أماكنها، فإن كان لله مطيعا أخذ بيده، وأعطاه كفلين من رحمته، وإن كان لله عاصيا انخرق به الجسر فهوى به في نار جهنم مقدار سبعين خريفا، فقال عمر ﵁ سمعت من النبي ﷺ ما لم أسمع قال:

نعم. وكان سلمان وأبو ذر حاضرين، فقال سلمان: أي والله يا عمر ومع السبعين سبعون خريفا في واد يلتهب التهابا، فضرب عمر ﵁ بيده على جبهته وقال:

إنا لله وإنا إليه راجعون: من يأخذها بما فيها، فقال سلمان من أرغم الله أنفه وألصق خده بالأرض.

وروى أبو داود في السنن قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي عريف على الماء، وإني أسألك أن تجعل لي العرافة من بعده، فقال النبي ﷺ العرفاء في النار.

وروى أبو سعيد الخدري ﵁. قال: قال رسول الله ﷺ إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الإمام الجائر. وقالت عائشة ﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: يؤتى بالقاضي العدل يوم القيامة، فيلقى من شدة الحساب ما يود أنه لم يقض بين اثنين في تمرة.

وقال الحسن البصري: إن النبي ﷺ دعا عبد الرحمن بن سمرة يستعمله، فقال: يا رسول الله خر لي، فقال: أقعد في بيتك. وقال أبو هريرة ﵁: ما من أمير يؤمر على عشرة إلا جيء به يوم القيامة مغلولا، أنجاه عمله أو أهلكه.

وقال طاوس لسليمان بن عبد الملك: هل تدري يا أمير المؤمنين من أشد الناس عذابا يوم القيامة؟ قال سليمان: قل. فقال طاوس: أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في ملكه فجار في حكمه، فاستلقى سليمان على سريره وهو يبكي، فما زال يبكي حتى قام عنه جلساؤه.

وقال ابن سيرين: جاء صبيان إلى أبي عبيدة السلماني يتخيرون إليه في ألواحهم، فلم ينظر إليها، وقال: هذا حكم، لا أتولى حكما أبدا. وقال أبو بكر بن أبي مريم:

حجّ قوم، فمات صاحب لهم بأرض فلاة، فلم يجدوا ماء، فأتاهم رجل فقالوا له: دلنا على الماء. فقال: احلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا أنه لم يكن صرّافا ولا مكاسا ولا عريفا، ويروى ولا عرافا، ولا بريدا، وأنا أدلكم على الماء، فحلفوا له ثلاثا وثلاثين يمينا كما تقدم، فحلفوا له، فأعانهم على غسله، ثم قالوا له: تقدم فصلّ عليه، فقال:

لا، حتى تحلفوا لي ثلاثا وثلاثين يمينا كما تقدم، فحلفوا له فصلى عليه، ثم التفتوا فلم يجدوا أحدا، فكانوا يرون أنه الخضر ﵇.

وقال أبو ذر ﵁، قال لي رسول الله ﷺ:

يا أبا ذر إني أحب لك ما أحب لنفسي، وإني أراك ضعيفا، فلا تتأمرن على اثنين ولا تلينّ مال يتيم.

ومن غريب ما اتفق وعجيب ما سبق: ما حكي أن ملكا من ملوك الفرس يقال له أردشير، وكان ذا مملكة متسعة وجند كثير، وكان ذا بأس شديد، قد وصف له بنت ملك بحر الأردن بالجمال البارع، وأن هذه البنت بكر ذات خدر، فسيّر أردشير من يخطبها من أبيها، فامتنع من إجابته، ولم يرض بذلك، فعظم ذلك على أردشير، وأقسم بالأيمان المغلظة ليغزون الملك أبا البنت، وليقتلنه

هو وابنته شر قتلة، وليمثلن بهما أخبث مثلة.

فسار إليه أردشير في جيوشه، فقاتله، فقتله أردشير وقتل سائر خواصه، ثم سأل عن ابنته المخطوبة، فبرزت إليه جارية من القصر من أجمل النساء وأكمل البنات حسنا وجمالا وقدرا واعتدالا، فبهت أردشير من رؤيته إياها، فقالت له: أيها الملك إنني ابنة الملك الفلاني ملك المدينة الفلانية، وأن الملك الذي قتلته أنت قد غزا بلدنا وقتل أبي وقتل سائر أصحابه قبل أن تقتله أنت، وأنه أسرني في جملة الأسارى وأتى بي في هذا القصر، فلما رأتني ابنته التي أرسلت تخطبها أحبتني، وسألت أباها أن يتركني عندها لتأنس بي، فتركني لها، فكنت أنا وهي كأننا روحان في جسد واحد، فلما أرسلت تخطبها خاف أبوها عليها منك فأرسلها إلى بعض الجزائر في البحر الملح عند بعض أقاربه من الملوك.

فقال أردشير: وددت لو أني ظفرت بها فكنت أقتلها شر قتلة، ثم أنه تأمل الجارية فرآها فائقة في الجمال، فمالت نفسه إليها، فأخذها للتسري، وقال هذه أجنبية من الملك ولا أحنث في يميني بأخذها، ثم إنه واقعها وأزال بكارتها، فحملت منه، فلما ظهر عليها الحمل، اتفق أنها تحدثت معه يوما، وقد رأته منشرح الصدر، فقالت له:

أنت غلبت أبي وأنا غلبتك، فقال لها: ومن أبوك؟ فقالت له: هو ملك بحر الأردن، وأنا ابنته التي خطبتها منه، وإنني سمعت أنك أقسمت لتقتلني فتحيلت عليك بما سمعت، والآن هذا ولدك في بطني، فلا يتهيأ لك قتلي.

فعظم ذلك على أردشير إذ قهرته امرأة وتحيلت عليه حتى تخلصت من يديه، فانتهرها، وخرج من عندها مغضبا، وعوّل على قتلها، ثم ذكر لوزيره ما اتفق له معها، فلما رأى الوزير عزمه قويا على قتلها خشي أن تتحدث الملوك عنه بمثل هذا، وأنه لا يقبل فيها شفاعة شافع، فقال أيها الملك: إن الرأي هو الذي خطر لك والمصلحة هي التي رأيتها أنت، وقتل هذه الجارية في هذا الوقت أولى وهو عين الصواب لأنه أحق من أن يقال أن امرأة قهرت رأي الملك وحنّثته في يمينه لأجل شهوة النفس، ثم قال أيها الملك: إن صورتها مرحومة وحمل الملك معها، وهي أولى بالستر، ولا أرى في قتلها أستر ولا أهون عليها من الغرق، فقال لها الملك: نعم ما رأيت خذها غرقها، فأخذها الوزير ثم خرج بها ليلا إلى بحر الأردن ومعه ضوء ورجال وأعوان، فتحيّل إلى أن طرح شيئا في البحر أوهم من كان معه أنها الجارية، ثم إنه أخفاها عنده، فلما أصبح جاء إلى الملك، فأخبره أنه غرّقها، فشكره على ما فعل.

ثم إن الوزير ناول الملك حقا مختوما وقال أيها الملك إني نظرت مولدي، فرأيت أجلي قد دنا على ما يقتضيه حساب حكماء الفرس في النجوم، وإن لي أولادا وعندي مال قد ادخرته من نعمتك، فخذه إذا أنا مت إن رأيت، وهذا الحق فيه جوهر أسأل الملك أن يقسمه بين أولادي بالسوية فإنه إرثي الذي قد ورثته من أبي وليس عندي شيء مما اكتسبته منه إلا هذا الجوهر.

فقال له الملك: يطول الرب في عمرك ومالك لك ولأولادك سواء كنت حيا أو ميتا. فألح عليه الوزير أن يجعل الحق عنده وديعة فأخذه الملك وأودعه عنده في صندوق، ثم مضت أشهر الجارية، فوضعت ولدا ذكرا جميلا حسن الخلقة مثل فلقة القمر، فلاحظ الوزير جانب الأدب في تسميته، فرأى أنه إن اخترع له إسما وسماه به، وظهر لوالده بعد ذلك، فيكون قد أساء الأدب، وإن هو تركه بلا إسم لم يتهيأ له ذلك، فسماه شاه بور ومعنى شاه بور بالفارسية ابن ملك، فإن شاه ملك، وبور ابن، ولغتهم مبنية على تأخير المتقدم وتقديم المتأخر، وهذه تسمية ليس فيها مؤاخذة.

ولم يزل الوزير يلاطف الجارية والولد إلى أن بلغ الولد حد التعليم، فعلمه كل ما يصلح لأولاد الملوك من الخط والحكمة والفروسية، وهو يوهم أنه مملوك له اسمه شاه بور، إلى ان راهق البلوغ.

هذا كله وأردشير ليس له ولد، وقد طعن في السن وأقعده الهرم، فمرض وأشرف على الموت، فقال للوزير: أيها الوزير: قد هرم جسمي وضعفت قوتي وإني أرى أني ميت لا محالة، وهذا الملك يأخذه من بعدي من قضي له به. فقال الوزير: لو شاء الله أن يكون للملك ولد كان قد ولي بعده الملك، ثم ذكره بأمر بنت ملك بحر الأردن وبحملها، فقال الملك: لقد ندمت على تغريقها.

ولو كنت أبقيتها حتى تضع، فلعل حملها يكون ذكرا.

فلما شاهد الوزير من الملك الرضا، قال: أيها الملك إنها عندي حية ولقد ولدت وضعت ولدا ذكرا من أحسن

الغلمان خلقا وخلقا، فقال الملك: أحق ما تقول: فأقسم الوزير أن نعم، ثم قال: أيها الملك إن في الولد روحانية تشهد بأبوة الأب وفي الوالد روحانية تشهد ببنوة الإبن، لا يكاد ذلك ينخرم أبدا، وإنني آتي بهذا الغلام بين عشرين غلاما في سنه وهيئته ولباسه، وكلهم ذوو آباء معروفين خلا هو. وإني أعطي كل واحد منهم صولجانا وكرة وآمرهم أن يلعبوا بين يديك في مجلسك هذا، ويتأمل الملك صورهم، وخلقتهم وشمائلهم، فكل من مالت إليه نفسه وروحانيته فهو هو، فقال الملك: نعم التدبير الذي قلت.

فأحضرهم الوزير على هذه الصورة ولعبوا بين يدي الملك، فكان الصبي منهم إذا ضرب الكرة وقربت من مجلس الملك تمنعه الهيبة أن يتقدم ليأخذها إلا شاه بور، فإنه كان إذا ضربها، وجاءت عند مرتبة أبيه تقدم، فأخذها ولا تأخذه الهيبة منه، فلاحظ أردشير ذلك منه مرارا، فقال أيها الغلام ما اسمك؟ قال: شاه بور، فقال له: صدقت أنت ابني حقا، ثم ضمه إليه وقبله بين عينيه.

فقال له الوزير: هذا هو ابنك أيها الملك، ثم أحضر بقية الصبيان ومعهم عدول فأثبت لكل صبي منهم والدا بحضرة الملك، فتحقق الصدق في ذلك، ثم جاءت الجارية وقد تضاعف حسنها وجمالها، فقبلت يد الملك، فرضي عنها.

فقال الوزير: أيها الملك قد دعت الضرورة في هذا الوقت إلى إحضار الحق المختوم، فأمر الملك بإحضاره، ثم أخذه الوزير وفك ختمه وفتحه فإذا فيه ذكر الوزير وأنثياه مقطوعة مصانه فيه من قبل أن يتسلم الجارية من الملك، وأحضر عدولا من الحكماء وهم الذين كانوا فعلوا به ذلك، فشهدوا عند الملك بأن هذا الفعل فعلناه به من قبل أن يتسلم الجارية بليلة واحدة، قال: فدهش الملك أردشي روبهت لما أبداه هذا الوزير من قوة النفس في الخدمة، وشدة مناصحته، فزاد سروره وتضاعف فرحه لصيانة الجارية وإثبات نسب الولد ولحوقه به، ثم إن الملك عوفي من مرضه الذي كان به وصح جسمه، ولم يزل يتقلب في نعمه وهو مسرور بابنه إلى أن حضرته الوفاة، ورجع الملك إلى ابنه شاه بور بعد موت أبيه، وصار ذلك الوزير يخدم ابن الملك أردشير وشاه بور يحفظ مقامه ويرعى منزلته حتى توفاه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثالث عشر في الصمت وصون اللسان والنهي عن الغيبة والسعي بالنميمة ومدح العزلة وذم الشهرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.