من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)
الفصل الأول في الغدر والخيانة
قال رسول الله ﷺ: «أعجل الأشياء عقوبة البغي». وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «المكر والخديعة والخيانة في النار». وقال أبو بكر الصديق ﵁: ثلاث من كن فيه كنّ عليه. البغي والنكث والمكر.
قال الله تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
. وقال تعالى: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
وقال تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
. وكم أوقع القدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات فسيحات المصادر، وطوقه غدره طوق خزي، فهو على فكّه غير قادر، وأوقعه في خطة خسف وورطة
حتف، فما له من قوة ولا ناصر، ويشهد لصحة هذه الأسباب ما أحاطت به علوم ذوي الألباب من قصة ثعلبة بن حاطب الأنصاري، وتلخيص معناها أن ثعلبة هذا كان من أنصار النبي ﷺ فجاءه يوما وقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال له رسول الله ﷺ ويحك يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثر لا تطيقه. ثم أتاه بعد ذلك مرة أخرى، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله ﷺ: يا ثعلبة أما لك في رسول الله أسوة حسنة، والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهبا وفضة لسارت. ثم أتاه بعد ذلك مرة ثالثة، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق نبيا لئن رزقني الله مالا لأعطين كل ذي حق حقه. وعاهد الله تعالى على ذلك، فقال رسول الله ﷺ:
اللهم ارزق ثعلبة ما قال.
فاتخذ ثعلبة غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من أوديتها، وهي تنمو كما ينمو الدود، وكان ثعلبة لكثرة ملازمته للمسجد يقال له حمامة المسجد، فلما كثرت الغنم وتنحّى صار يصلي مع رسول الله ﷺ الظهر والعصر، ويصلي بقية الصلوات في غنمه، فكثرت ونمت حتى بعد عن المدينة، فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد أيضا عن المدينة حتى صار لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة خرج يتلقى الناس ويسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا:
يا رسول الله اتخذ غنما ما يسعها واد، فقال رسول الله ﷺ يا ويح ثعلبة. فأنزل الله تعالى آية الصدقة، فبعث رسول الله ﷺ رجلين رجل من بني سليم، ورجل من جهينة وكتب لهما أنصاب الصدقة، وكيف يأخذانها، وقال لهما: مرّا بثعلبة بن حاطب، وبرجل آخر من بني سليم، فخذا صدقاتهما. فخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله ﷺ، فقال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ انطلقا حتى تفرغا، ثم عودا إليّ، فانطلقا، وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأيا قالا: ما هذا؟ قال: خذاه، فإن نفسي به طيبة، فمرا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة، فقال: أروني كتابكما، فقرأه، ثم قال: ما هذه إلا جزية، أو ما هذه إلا أخت الجزية؟ إذهبا حتى أرى رأيا. قال: فذهبا من عنده، وأقبلا على رسول الله ﷺ، فلما رآهما قال قبل أن يتكلما: يا ويح ثعلبة، فأنزل الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
. وكان عند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك، فخرج حتى أتاه، فقال:
ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ، فسأله أن يقبل صدقته، فقال: إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقة، فجعل ثعلبة يحثو التراب على رأسه ووجهه فقال رسول الله ﷺ: هذا عملك قد أمرتك، فلم تطعني، فلما أبى رسول الله ﷺ أن يقبل صدقته رجع إلى منزله، وقبض رسول الله ﷺ ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى إلى أبي بكر الصديق ﵁ حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر ﵁: لم يقبلها رسول الله ﷺ منك، فلا أقبلها أنا، فقبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ولم يقبلها، فلما ولي عمر ﵁ أتاه، فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فلم يقبلها منه، وقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ﵁، فأنا لا أقبلها؟ وقبض عمر ﵁، ولم يقبلها، ثم ولي عثمان بن عفان ﵁، فسأله أن يقبل صدقته، فقال له: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر ﵄، فأنا لا أقبلها. ثم هلك ثعلبة في خلافة عثمان ﵁.
فانظر إلى سوء عاقبة غدره كيف أذاقه وبال أمره ووسمه بسمة عار قضت عليه بخسره، وأعقبه نفاقا يخزيه يوم فاقته وفقره، فأي خزي أرجح من ترك الوفاء بالميثاق، وأي سوء أقبح من غدر يسوق إلى النفاق، وأي
عار أفضح من نقض العهد إذا عدت مساوىء الأخلاق، وكان يقال: لم يغدر غادر قط إلا لصغر همته عن الوفاء واتّضاع قدره عن احتمال المكاره في جنب نيل المكارم.
قال الشاعر:
غدرت بأمر كنت أنت جذبتناإليه وبئس الشيمة الغدر بالعهد
ولما حلف محمد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام، وهما وليا عهد، طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته، فقال ذلك ثلاث مرات، فقال الفضل بن الربيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العباس أجد نفسي أن أمري لا يتم، فقلت له: ولم ذلك، أعز الله الأمير؟ قال: لأني كنت أحلف وأنا أنوي الغدر وكان كذلك لم يتم أمره.
وورد في أخبار العرب أن الضيزن بن معاوية بن قضاعة، كان ملكا بين دجلة والفرات وكان له هناك قصر مشيد يعرف بالجوسق وبلغ ملكه الشام فأغار على مدينة سابور ذي الأكتاف، فأخذها وأخذ أخت سابور وقتل منهم خلقا كثيرا، ثم إن سابور جميع جيوشا وسار إلى ضيزن فأقام على الحصن أربع سنين لا يصل منه إلى شيء، ثم أن النضيرة بنت الضيزن عركت أي حاضت فخرجت من الربض وكانت من أجمل أهل دهرها، وكذلك كانوا يفعلون بنسائهم إذا حضن، وكان سابور من أجمل أهل زمانه، فرآها ورأته فعشقها وعشقته وأرسلت إليه تقول ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به هذه المدينة وتقتل أبي؟ فقال: أحكّمك. فقالت: عليك بحمامة مطوقة ورقاء فاكتب عليها بحيض جارية ثم أطلقها فإنها تقعد على حائط المدينة فتتداعى المدينة كلها، وكان ذلك طلمسا لا يهدمها إلا هو، ففعل ذلك.
فقالت له: وأنا أسقي الحرس الخمر فإذا صرعوا فاقتلهم، ففعل ذلك، فتداعت المدينة وفتحها سابور عنوة وقتل الضيزن، واحتمل ابنته النضيرة وأعرس بها، فلما دخل بها لم تزل ليلتها تتضرّر وتتململ في فراشها وهو من حرير محشو بريش النعام، فالتمس ما كان يؤذيها فإذا هو ورقة آس التصقت بعكنتها وأثرت فيها، وقيل: كان ينظر إلى مخ عظمها من صفاء بشرتها، ثم إن سابور بعد ذلك غدر بها وقتلها. قيل إنه أمر رجلا فركب فرسا جموحا وضفر غدائرها بذنبه، ثم استركضه فقطعها، قطعا قطعه الله ما أغدره.
وتقول العرب جزاني جزاء سنّمار، وهو أن أزدجرد بن سابور لما خاف على ولده بهرام وكان قبله لا يعيش له ولد سأل عن منزل صحيح مريء فدّل على ظهر الجزيرة، فدفع ابنه بهرام إلى النعمان وهو عامله على أرض العرب وأمره أن يبني له جوسقا فامتثل أمره، وبنى له جوسقا كأحسن ما يكون وكان الذي بنى الجوسق رجلا يقال له سنّمار، فلما فرغ من بنائه عجبوا من حسنه فقالوا: لو علمت أنكم توفوني أجرته لبنيته بناء يدور مع الشمس حيث درات، فقالوا وإنك لتبني أحسن من هذا ولم تبنه، ثم أمر به فطرح من أعلى الجوسق فتقطع، فكانت العرب تقول جزاني جزاء سنمار.
وممن غدر عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، غدر بعلي ﵁ وقتله. وعمرو بن جرموز غدر بالزبير بن العوام ﵁ وقتله، وأبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة لعنه الله، غدر بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقتله. وجعل المنصور العهد إلى عيسى بن موسى ثم غدر به وأخره وقدم المهدي عليه، فقال عيسى:
أينسى بنو العبّاس ذبّي عنهمبسيفي ونار الحرب زاد سعيرها
فتحت لهم شرق البلاد وغربهافذلّ معاديها وعزّ نصيرها
أقطّع أرحاما عليّ عزيزةوأبدي مكيدات لها وأثيرها
فلما وضعت الأمر في مستقرهولاحت له شمس تلألأ نورها
دفعت عن الأمر الذي أستحقّهوأوسق أوساقا من الغدر عيرها
وخرج قوم لصيد فطردوا ضبعة حتى ألجأوها إلى خباء أعرابي فأجارها وجعل يطعمها ويسقيها، فبينما هو نائم ذات يوم إذ وثبت عليه فبقرت بطنه وهربت، فجاء ابن عمه يطلبه، فوجده ملقى فتبعها حتى قتلها، وأنشد يقول:
ومن يصنع المعروف مع غير أهلهيلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر
أعدّ لها لما استجارت ببيتهأحاليب ألبان اللقاح الدوائر
وأسمنها حتى إذا ما تمكّنتفرته بأنياب لها وأظافر
فقل لذوي المعروف هذا جزاء منيجود بمعروف على غير شاكر
وحكى بعضهم قال: دخلت البادية فإذا أنا بعجوز بين يديها شاة مقتولة وإلى جانبها جرو ذئب. فقالت: أتدري ما هذا؟ فقلت: لا، قالت: هذا جرو ذئب أخذناه صغيرا وأدخلناه بيتنا وربيناه، فلما كبر فعل بشاتي ما ترى، وأنشدت:
بقرت شويهتي وفجعت قوميوأنت لشاتنا ابن ربيب»
غذيت بدرها ونشأت معهافمن أنباك أنّ أباك ذيب
إذا كان الطباع طباع سوءفلا أدب يفيد ولا أديب
اللهم إنّا نعوذ بك من البغي وأهله، ومن الغادر وفعله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع