تجاوز إلى المحتوى

من «المستطرف في كل فن مستظرف» للأبشيهي (ت بعد ٨٥٠هـ)

الفصل الرابع في الحسد

قال الله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ

وقال رسول الله ﷺ: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود». وقال علي ﵁: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.

وقيل: الحسود غضبان على القدر. ويقال: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش. الحقد والحسد وسوء الخلق.

وقيل: بئس الشعار الحسد. وقيل لبعضهم: ما بال فلان يبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد.

وقال أعرابي: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، وهو مأخوذ من الحديث: «قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله».

وقال الفقيه أبو الليث السمرقندي، رحمة الله تعالى عليه: يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود، أولاها: غم لا ينقطع. الثانية:

مصيبة لا يؤجر عليها، الثالثة: مذمة لا يحمد عليها، الرابعة: سخط الرب، الخامسة: يغلق عنه باب التوفيق.

ومن ذلك ما حكي: أن رجلا من العرب دخل على المعتصم فقرّبه وأدناه وجعله نديمه، وصار يدخل على حريمه من غير استئذان. وكان له وزير حاسد فغار من البدوي وحسده، وقال في نفسه: إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله أخذ بقلب أمير المؤمنين، وأبعدني منه، فصار يتلطف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله، فطبخ له طعاما، وأكثر فيه من الثوم، فلما أكل البدوي منه قال له:

احذر أن تقترب من أمير المؤمنين، فيشم منك رائحة الثوم، فيتأذى من ذلك فإنه يكره رائحته، ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين، فخلا به وقال: يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر وهلكت من رائحة فمه. فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين جعل كمه على فمه مخافة أن يشم منه رائحة الثوم، فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال: إن

الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح، فكتب أمير المؤمنين كتابا إلى بعض عماله يقول فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا، فاضرب رقبة حامله، ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب، وقال له: امض به إلى فلان وائتني بالجواب.

فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين وأخذ الكتاب وخرج به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير، فقال: أين تريد؟ قال: أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان، فقال الوزير في نفسه: إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل، فقال له: يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك، ويعطيك ألفي دينار؟ فقال: أنت الكبير، وأنت الحاكم، ومهما رأيته من الرأي إفعل. قال: أعطني الكتاب، فدفعه إليه، فأعطاه الوزير ألفي دينار، وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده، فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير. فبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي، وسأل عن الوزير، فأخبر بأن له أياما ما ظهر، وأن البدوي بالمدينة مقيم، فتعجب من ذلك وأمر بإحضار البدوي، فحضر، فسأله عن حاله، فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها، فقال له: أنت قلت عني للناس أني أبخر؟ فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أتحدث بما ليس لي به علم، وإنما كان ذلك مكرا منه وحسدا، وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه.

فقال أمير المؤمنين: قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله. ثم خلع على البدوي واتخذه وزيرا وراح الوزير بحسده.

وقال المغيرة شاعر آل المهلب:

آل المهلب قوم إن مدحتهمكانوا الأكارم آباء وأجدادا
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة
إن العرانين تلقاها محسّدةولا ترى للئام الناس حسّادا
للشاعر عمر بن لجأ التيمي، اقرأ القصيدة

وقال عمر ﵁: يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك وقال مالك بن دينار: شهادة القراء مقبولة في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض، فإنهم أشد تحاسدا من التيوس. وعن أنس رضي الله تعالى عنه رفعه:

«إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». وقال منصور الفقيه:

منافسة الفتى فيما يزولعلى نقصان همّته دليل
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
ومختار القليل أقل منهوكل فوائد الدنيا قليل
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة

يقول الله ﷿: الحاسد عدو نعمتي متسخّط لفعلي غير راض بقسمتي التي قسمت لعبادي.

قال الشاعر:

أيا حاسدا لي على نعمتيأتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمهلأنك لم ترض لي ما وهب
فأخزاك ربّي بأن زادنيوسدّ عليك وجوه الطلب

وقال الأصمعي: رأيت أعرابيا قد بلغ عمره مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك؟ فقال: تركت الحسد فبقيت. وقالوا: لا يخلو السيد من ودود يمدح وحسود يقدح. وقال ابن مسعود ﵁: ألا لا تعادوا نعم الله، قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. وقيل لعبد الله بن عروة: لم لزمت البدو، وتركت قومك؟

فقال: وهل بقي إلا حاسد على نعمة أو شامت على نكبة.

وقال الشاعر:

يا طالب العيش في أمن وفي دعةرغدا بلا قتر صفوا بلا رنق
خلّص فؤادك من غل ومن حسدفالغل في القلب مثل الغلّ في العنق

وقال آخر:

اصبر على حسد الحسود فإن صبرك قاتله
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «إصبر على حسد الحسود»
كالنار تأكل بعضهاإن لم تجد ما تأكله

وفي نوابغ الحكم: الحسد حسك من تعلق به هلك.

ولبعضهم:

إني حسدت فزاد الله في حسديلا عاش من عاش يوما غير محسود
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «إني حسدت فزاد الله في حسدي»

وقال نصار بن سيار:

إنّي نشأت وحسّادي ذوو عدديا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا
إن يحسدوني على ما بي لما بهمفمثل ما بي ممّا يجلب الحسدا

وكان عمر ﵁ يقول: نعوذ بالله من كل قدر وافق إرادة حاسد. وقيل لأرسطاطاليس: ما بال الحسود أشد غما؟ قال: لأنه أخذ بنصيبه من غموم الدنيا، ويضاف إلى ذلك غمه لسرور الناس. والله ﷾ أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

النص من طبعة عالم الكتب ببيروت (١٤١٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة التحقيق والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب التاسع والثلاثون في الغدر والخيانة والسرقة والعداوة والبغضاء والحسد

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.